ابن سعد
104
الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية )
إِلَى الشَّامِ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ تَبْعَثُ رِجَالا مِنْ قَوْمِكَ فِي عِيرَاتِهَا . فَلَوْ جِئْتَهَا فَعَرَضْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهَا لأَسْرَعَتْ إِلَيْكَ . وَبَلَغَ خَدِيجَةَ مَا كَانَ مِنْ مُحَاوَرَةِ عَمِّهِ لَهُ . فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَقَالَتْ لَهُ : أَنَا أُعْطِيكَ ضِعْفَ مَا أُعْطِي رَجُلا مِنْ قَوْمِكَ . قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ . حَدَّثَنِي أَبُو الْمَلِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ قَالَ : قَالَ أَبُو طَالِبٍ : يَا ابْنَ أَخِي قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ خَدِيجَةَ اسْتَأْجَرَتْ فُلانًا بِبَكْرَيْنِ وَلَسْنَا نَرْضَى لَكَ بِمِثْلِ مَا أَعْطَتْهُ . فَهَلْ لَكَ أَنْ تُكَلِّمَهَا ؟ قَالَ : مَا أَحْبَبْتَ ! فَخَرَجَ إِلَيْهَا فَقَالَ : هَلْ لَكِ يَا خَدِيجَةُ أَنْ تَسْتَأْجِرِي مُحَمَّدًا ؟ فَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّكِ اسْتَأْجَرْتِ فُلانًا بِبَكْرَيْنِ . وَلَسْنَا نَرْضَى لِمُحَمَّدٍ دُونَ أَرْبَعِ بِكَارٍ . قَالَ : فَقَالَتْ خَدِيجَةُ : لَوْ سَأَلْتَ ذَاكَ لِبَعِيدٍ بَغِيضٍ فَعَلْنَا . فَكَيْفَ وَقَدْ سَأَلْتَ لِحَبِيبٍ قَرِيبٍ ؟ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ . أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ شَيْبَةَ عَنْ عَمِيرَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أُمِّ سَعْدِ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ نَفِيسَةَ بِنْتِ مُنْيَةَ قَالَتْ : قَالَ أَبُو طَالِبٍ : هَذَا رِزْقٌ قَدْ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ . فَخَرَجَ مَعَ غُلامِهَا مَيْسَرَةَ وَجَعَلَ عُمُومَتُهُ يُوصُونَ بِهِ أَهْلَ الْعِيرِ حَتَّى قَدِمَا بُصْرَى مِنَ الشَّامِ . فَنَزَلا فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ . فَقَالَ نُسْطُورٌ الرَّاهِبُ : مَا نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي . ثُمَّ قَالَ لِمَيْسَرَةَ : أَفِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ لا تُفَارِقُهُ . قَالَ : هُوَ نَبِيُّ وَهُوَ آخِرُ الأَنْبِيَاءِ . ثُمَّ بَاعَ سِلْعَتَهُ فَوَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ تَلاحٍ فَقَالَ لَهُ : احْلِفْ بِاللاتِ والعزى . [ فقال رسول الله . ص : مَا حَلَفْتُ بِهِمَا قَطُّ وَإِنِّي لأَمُرُّ فَأُعْرِضُ عَنْهُمَا ] . فَقَالَ الرَّجُلُ : الْقَوْلُ قَوْلُكَ . ثُمَّ قَالَ لِمَيْسَرَةَ : هَذَا وَاللَّهِ نَبِيٌّ تَجِدُهُ أَحْبَارُنَا مَنْعُوتًا فِي كُتُبِهِمْ . وَكَانَ مَيْسَرَةُ إِذَا كَانَتِ الْهَاجِرَةُ وَاشْتَدَّ الْحَرُّ يَرَى مَلَكَيْنِ يُظِلانِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الشَّمْسِ . فَوَعَى ذَلِكَ كُلَّهُ مَيْسَرَةُ . وَكَانَ اللَّهُ قَدْ أَلْقَى عَلَيْهِ الْمَحَبَّةَ مِنْ مَيْسَرَةَ . فَكَانَ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ . وَبَاعُوا تِجَارَتَهُمْ وَرَبِحُوا ضِعْفَ مَا كَانُوا يَرْبَحُونَ . فَلَمَّا رَجَعُوا فَكَانُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ قَالَ مَيْسَرَةُ : يَا مُحَمَّدُ انْطَلِقْ إِلَى خَدِيجَةَ فَأَخْبِرْهَا بِمَا صَنَعَ اللَّهُ لَهَا عَلَى وَجْهِكَ . فَإِنَّهَا تَعْرِفُ لَكَ ذَلِكَ . فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ فِي سَاعَةِ الظَّهِيرَةِ وَخَدِيجَةُ فِي عُلَيَّةٍ لَهَا فَرَأَتْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عَلَى بَعِيرِهِ وَمَلَكَانِ يُظِلانِ عَلَيْهِ . فَأَرَتْهُ نِسَاءَهَا فَعَجَبْنَ لِذَلِكَ . وَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَبَّرَهَا بِمَا رَبِحُوا فِي وَجْهِهِمْ . فَسُرَّتْ بِذَلِكَ . فَلَمَّا دَخَلَ مَيْسَرَةُ عَلَيْهَا أَخْبَرَتْهُ بِمَا رَأَتْ . فَقَالَ مَيْسَرَةُ : قَدْ رَأَيْتُ هَذَا مُنْذُ خَرَجْنَا مِنَ الشَّامِ . وَأَخْبَرَهَا بِمَا قَالَ الرَّاهِبُ نُسْطُورٌ وَبِمَا قَالَ الآخَرُ