عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
465
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
فكذلك هؤلاء لا يخرجون بذلك عن دائرة الصلاح ، ( فإن الجميع ) ( * ) لا يُتبعون في زلاتهم ، ولا يُقتدى بهم فيها . وقول الشافعي : إِنَّ الزنادقة وضعت التغبير تصد به الناس عن القرآن : يدل عَلَى أن الإصرار عَلَى سماع الشعر المُلحَّن - مع الضرب بقضيب ونحوه - يقتضي شغف النفوس بذلك وتعلقها به ، ونفرتها عن سماع القرآن ، أو عن استجلاب ثمرات القرآن وفوائده وإصلاح القلوب به ، وهذا ظاهرٌ بينٌ . فإن من كان وجده من سماع الأبيات ، لا يكاد يجد ( رقة ولا حلاوة ) ( * * ) عند سماع الآيات ، فَإِذَا كان هذا حال من أدمن سماع الأبيات الزهدية بالتلحين ، فكيف يكون حال من أدمن سماع أشعار الغزل المتضمن لوصف الخمور ، والقدود ، والخُدود ، والثغور والشعور ، مع ذكر الهوى ولواعج الأشواق ، والمحبة والغرام والاشتياق ، وذكر الهجر والوصال ، والتجني والصدود والدلال . وكان هذا كله مع آلات الملاهي المطربة المزعجة للنفوس ، المثيرة للوجد ، المحركة للهوى ، لا سيما إِن كان المغني ممن تميل النفوس إِلَى صُورته وصوته ، ووجد السماع حلاوته وذوقه ، وطرب قلبُه في ذلك . فإن هذا كما قال ابن مسعود : ينبت النفاق في القلب ، ولا يكاد يبقى معه من الإيمان إلا القليل ، وصاحبه في غاية من البعد عن الله والحجاب عنه ، فإن ادعى من يسمع ذلك أن نفسه ماتت وهواه فني ، وأنه إِنَّمَا يُشير بما يسمعه إِلَى معرفة الله ، ومحبته وخشيته فهو بمنزلة من ينظر إِلَى الصور الجميلة المفتنة ، ويدعي أن فتنته ماتت ، وأنه إِنَّمَا ينظر إليها ، يعتبر ويستدل بحسن الصنعة وكمالها عَلَى عظمة صانعها وكماله ! وكل ذلك محرم بلا ريب ، وأكثر من يدعى ذلك كاذبٌ في دعواهُ ، ومنهم من هو ملبوس عليه ، يشتبه عليه حظ نفسه وهواه بحظ روحه وقلبه ، أو يختلط له الأمران فيجتمعان له جميعًا ، وهو يظن أن حظ نفسه وهواه فني ، وليس كذلك .
--> ( * ) وإن كان الجميع : " نسخة " . ( * * ) حلاوة ولا رقة : " نسخة " .