عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
433
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
في ظل مقبرةٍ غبراء مظلمة . . . يطيل تحت الثرى في غمها اللبثا تجهزي بجهاز تبلغين به . . . يا نفسُ قبل الردئ لم تخلقي عبثا فالمؤمن يأتيه عمله الصالح في قبره في أحسن صورة ، فيبشّره بالسعادة من الله ، والكافر بعكس ذلك . والأعمال الصالحة تُحيط بالمؤمن في قبره ؛ في " صحيح ابن حبان " ( 1 ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ عَنْهُ ، فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَانَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَ رَأْسِهِ ، وَالزَّكَاةُ عَنْ يَمِينِهِ ، وَالصَّوْمُ عَنْ شِمَالِهِ ، وَفِعْلُ الْخَيْرَاتِ وَالْمَعْرُوفُ وَالْإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ ، فَيُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ، فَتَقُولُ الصَّلَاةُ : لَيْسَ قِبَلِي مَدْخَلٌ . . . " وذكر سائر الأعمال كذلك ، وقال في الكافر : " يؤتى من هذه الجهات فلا يوجد شئ فيجلس خائفًا مرعوبًا " . قال عطاء بن يسار : إذا وضع الميت في لحده ، فأول شيء يأتيه عمله ، فيضرب فخذه الشمال فيقول : أنا عملك . فيقول : فأين أهلي وولدي وعشيرتي وما خولني الله ؛ فيقول : تركت أهلك وولدك وعشيرتك وما خوّلك الله وراء ظهرك ، فلم يدخل معك قبرك غيري . فيقول : يا ليتني آثرتك عَلَى أهلي وولدي وعشيرتي وما خولني الله ، إذ لم يدخل معي غيرك . قال يزيد الرقاشي : بلغني أن الميت إذا وضع في قبره احتوشته ( 2 ) أعماله ، ثم أنطقها الله ، فقالت : أيها العبدُ المنفردُ في حفرته ، انقطع عنك الأخلاء والأهلون ، فلا أنيس لك اليوم غيرنا ، ثم بكى يزيد وقال : طوبى لمن كان أنيسه صالحًا ، والويل لمن كان أنيسه وبالاً .
--> ( 1 ) كما في " الإحسان " ( 3133 ) . ( 2 ) أي جعلوه وسطهم . " اللسان " مادة : ( حوش ) .