عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
415
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
عن أبي سعيد الخُدري " أن رجالاً من المُنافقين كانوا إذا خرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الغزوة تخلَّفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلافَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فَإِذَا قدم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - اعتذروا إِلَيْهِ وحَلَفُوا ، وأحبُّوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت هذه الآية ( 1 ) . فهذه الخصالُ ، خصالُ اليهود والمنافقين ، وهو أن يظهر الإنسان في الظاهر قولاً أو فعلاً ، وهو في الصورة التي أظهره عليها حسن ، ومقصودهُ بذلك التوصُّل إِلَى غَرَض فاسد ، فيحمَدُهُ عَلَى ما أظهره من ذلك الحسَن ، ويتوصَّلُ هو به إِلَى غرضه الفاسد الَّذِي هو أبطنَهُ ، ويفرح بحمده عَلَى ذلك الَّذِي أظهر أنه حسن وهو في الباطن سئ ، وعلى توصله في الباطن إِلَى غرضه السيء ، فتتتمُّ له الفائدة وتُنفّذُ له الحيلة بهذا الخداع ! ! ومَنْ كانت هذه صفته فهو داخلٌ في هذه الآية ولابدّ ، فهو مُتوعَّدٌ بالعذاب الأليم ، ومثالُ ذلك . أن يُريد الإنسانُ ذمَّ رجلٍ وتنقُّصه وإظهارَ عيبهِ لينفرَ الناس عنه ؛ إما محبةٌ لإيدائه لعدواته أو مخافته من مزاحمته عَلَى مالٍ أو رياسةٍ أو غير ذلك من الأسباب المذمومة ، فلا يتوصَّل إِلَى ذلك إلا بإظهار الطعْن فيه بسبب ديني ، مثل : أن يكونَ قد ردَّ قولاً ضعيفًا من أقوال عالمٍ مشهور فيشيعُ بين من يُعظم ذلك العالم ، أن فلانًا يُبغضُ هذا العالم ويذمُّه ويطعنُ عليه فيغرُّ بذلك كل من يَعظمه ، ويُوهمُهُم أنَّ بغْضَ هذا الرادّ وأذاهُ من أعمال القُرب ؛ لأنّه ذبٌّ عن ذلك العالم ، ودفع الأذى عنه ، وذلك قربة إِلَى الله عز وجل وطاعة ؛ فيجمع هذا المظهر للنصح بين أمرين قبيحين مُحرَّمين : أحدهما : أن يحملَ رد هذا العالم القولَ الآخر عَلَى البُغض والطَّعن والهَوَى وقد يكونُ إنَّما أراده به النُّصح للمؤمنين ، وإظهار ما لا يحلُّ له كتمانه . والثاني : أن يُظهر الطعْنَ عليه ليتوصَّلَ بذلك إِلَى هواه وغرضِهِ الفاسد في
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 4567 ) ، ومسلم ( 2777 ) .