عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
796
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
يزين له ما فيه من اللذة التي يظن أنها مصلحة ، ولا يجزم بوقوع عقوبته بل يرجو العفو بحسنات أو توبة أو بعفو الله ونحو ذلك . وهذا كله من اتباع الظن وما تهوى الأنفس ، ولو كان له علم كامل لعرف به رجحان ضرر السيئة ، فأوجب له ذلك الخشية المانعة من مواقعتها ونبين هذا : بالوجه السادس هو : أن لذات الذنوب لا نسبة لها إِلَى ما فيها من الآلام والمفاسد البتة ، فإن لذاتها سريعة الانقضاء ، وعقوباتها وآلامها أضعاف ذلك ، ولهذا قيل : " إن الصبر عَلَى المعاصي أهون من الصبر عَلَى عذاب الله " . وقيل : رب شهوة ساعة أورثت حزنًا طويلاً . وما في الذنوب من اللذات كما في الطعام الطيب المسموم من اللذة ، فهي مغمورة بما فيه المفسدة ، ومُؤثر لذة الذنب كمؤثر لذة الطعام المسموم الَّذِي فيه من السمون ما يُمرض أو يقتل . ومن هاهنا يعلم : أنَّه لا يؤثر لذات الذنوب إلا من هو جاهلٌ بحقيقة عواقبها ، كما لا يؤثر أكل الطعام المسموم للذته إلا من هو جاهل بحاله ، أو غير عاقل ، ورجاؤه التخلص من شرها بتوية أو عفو ، أو غير ذلك ، كرجاء آكل الطعام المسموم الطيب الخلاص من شر سُمه بعلاجٍ أو بغير ، وهو في غاية الحمق والجهل ، فقد لا يتمكن من التخلص منه بالكلية فيقتله سمه ، وقد لا يتخلص منه تخلصًا تامًا فيطول مرضه ، وكذلك المذنب قد لا يتمكن من التوية ، فإن من وقع في ذنب تجرأ عَلَى غيره ، وهان عليه خوض الذنوب ، وعسر عليه الخلاص منها ، ولهذا قيل من عقوبة الذنب : الذنب بعده ، وقد دل عَلَى ذلك القرآن في غير موضع ، وإذا قُدِّر أنَّه تاب منه فقد لا يتمكن من التوية النصوح ( الحاصلة ) ( * ) التي تمحو أثره بالكلية ، وإن قُدِّر أنَّه تمكن من ذلك ، فلا يقاوم اللذة الحاصلة بالمعصية ما في التوبة النصوح المشتملة عَلَى الندم والحزن والخوف والبكاء وتجشم الأعمال الصالحة المشقة من الألم والمشقة .
--> ( * ) كتب فوقها : كذا وكتب في الهامش : لعلها الخالصة .