عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
793
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
ولهذا كان الصحيح المشهور عن الإمام أحمد ، الذي عليه أكثر أصحابه ، وأكثر علماء السنة من جميع الطوائف ، أن ما في القلب من التصديق والمعرفة يقبل الزيادة والنقصان ، فالمؤمن يحتاج دائمًا كل وقت إِلَى تجديد إيمانه وتقوية يقينه ، وطلب الزيادة في معارفه ، والحذر من أسباب الشك والريب والشبهة ، ومن هنا يعلم معنى قول النبي صلّى الله عليه وسلم : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " ( 1 ) ، فإنَّه لو كان مستحضرًا في تلك الحال لاطلاع الله عليه ومقته له مع ما توعده الله به من العقاب المجمل والمفصل استحضارًا تامًّا لامتنع منه بعد ذلك وقوع هذا المحظور ، وإنَّما وقع فيما وقع فيه لضعف إيمانه ونقصه . الوجه الثالث : أن تصور حقيقة المخوف يوجب الهرب منه ، وتصور حقيقة المحبوب يوجب طلبه ، فإذا لم يهرب من هذا ، ولم يطلب هذا ، دل عَلَى أن تصوره لذلك ليس تامًّا ، وإن كان قد تصور الخبر عنه ، وتصور الخبر وتصديقه وحفظ حروفه غير تصور المخبر به ، فَإِذَا أخبر بما هو محبوب أو مكروه له ، ولم يكذب الخبر ، بل عرف صدقه ، لكن قلبه مشغول بأمور أخرى عن تصور ما أخبر به ، فهذا لا يتحرك للهرب ولا للطلب . وفي الأثر المعروف عن الحسن ، ورُوي مرسلاً عن النبي صلّى الله عليه وسلم : " العِلْم علمان ، فعلم في القلب ، فذاك العِلْم النافع ، وعلم عَلَى اللسان فذاك حجة الله عَلَى ابن آدم " ( 2 ) . الوجه الرابع : أن كثيرًا من الذنوب قد يكون شب وقوعه جهل فاعله بحقيقة قبحه وبغض الله له ، وتفاصيل الوعيد عليه ، وإن كان عالمًا بأصل تحريمه وقبحه ، لكنه يكون جاهلاً بما ورد فيه من التغليظ والتشديد ونهاية القبح ، فجهله بذلك هو الَّذِي جرأه عليه وأوقعه فيه ، ولو كان عالمًا بحقيقة قبحه لأوجب ذلك العِلْم تركه خشية من عقابه .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 2475 ) وفي مواضع أخر ، ومسلم ( 57 ) من حديث أبي هريرة ، وأخرجه البخاري ( 6782 ) وفي مواضع أخر من حديث ابن عباس . ( 2 ) أخرجه الخطيب في " تاريخه " ( 4 / 346 ) ، وابن الجوزي في " العلل المتناهية " ( 1 / 82 ) .