عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
791
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
ومثل هذا كثير جداً ، والمقصود : أن العِلْم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله من قدره ، وخلقه ، والتفكير في عجائب آياته المسموعة المتلوة وآياته المشاهدة المرئية مع عجائب مصنوعاته ، وحكم مبتدعاته ونحو ذلك ، مما يوجب خشية الله وإجلاله ، ويمنع من ارتكاب نهيه ، والتفريط في أوامره ، وهو أصل العِلْم النافع . ولهذا قال طائفة من السَّلف كعمر بن عبد العزيز ، وسفيان بن عيينة : أعجب الأشياء قلب عرف ربه ثم عصاه . وقال بشر بن الحارث : لو تفكر الناس في عظمة الله لما عصوا الله . وفي هذا المعنى يقول الشاعر : فواعجبًا كيف يعصى الإله . . . وكيف يجحده الجاحد ولله في كل تحريكة وتسكينة . . . أبدًا شاهد وفي كل شيءٍ له آية . . . تدل عَلَى أنَّه واحد الوجه الثاني : أن العِلْم بتفاصيل أمر الله ونهيه والتصديق الجازم بذلك ، وبما يترتب عليه من الوعد والوعيد ، والثواب والعقاب مع تيقن مراقبة الله واطلاعه ومشاهدته ، ومقته لعاصيه ، وحضور الكرام الكاتبين كل هذا يوجب الخشية ، وفعل المأمور وترك المحظور ، وإنَّما يمنع الخشية ويوجب الوقوع في المحظورات الغفلة عن استحضار هذه الأمور ، والغفلة من أضداد العِلْم . والغفلة والشهوة أصل الشر ، قال تعالى : { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } ( 1 ) . والشهوة وحدها لا تستقل بفعل السيئات إلا مع الجهل ، فإن صاحب الهوى لو استحضر هذه الأمور المذكورة ، وكانت موجودة في ذكره ، لأوجبت له الخشية القامعة لهواه ، ولكن غفلته عنها مما يوجب نقص إيمانه الَّذِي أصله التصديق الجازم المترتب عَلَى التصور التام ، ولهذا كان ذكر الله وتوحيده والثناء
--> ( 1 ) الكهف : 28 .