عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
408
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
فصل : [ فيمن أراد بالنصيحة للعلماء النصح لله ورسوله ومن أراد التنقص والذم وإظهار العيب وكيفية معاملة كلٍّ منهما ] ( * ) ومَنْ عُرف منه أنه أراد بردِّه عَلَى العُلَمَاء النصيحةَ لله ورسوله ، فإنه يجب أن يُعامل بالإكرام والاحترام والتعظيم كسائر أئمَّة المسلمين الذين سبق ذكرهم وأمثالهم ومن اتبعهم بإحسان . ومن عرف أنه أراد بردِّه عليهم التنقص والذم ، وإظهارَ العيب ، فإنه ييستحقُّ أن يُقابل بالعُقوبة ليرتدعَ هو ونظراؤه عن هذه الرذائل المحرمة . ويُعرف هذا القصدُ تارة بإقرار الرادِّ واعترافه ، وتارة بقرائن تُحيطُ بفعله وقوله ، فمن عُرفَ منه العِلْم والدينُ وتوقيرُ أئمة المسلمينَ واحترامهم ، ولم يذكر الردَّ وتبيين الخطأ إلا عَلَى الوجه الَّذِي ذكره غيره من أئمة العُلَمَاء . وأما في التصانيف ، وفي البحث ، وجب حملُ كلامِهِ عَلَى الأول وأنه إِنَّمَا يقصد بذلك إظهار الدين والنصح لله ورسوله والمؤمنين ، ومن حَمَل كلامه - والحال عَلَى ما ذُكر - فهو ممَّن يظنُّ بالبريء ظن السوء ، وذلك من الظن الَّذِي حرمه اللهُ ورسولُه ، وهو داخلٌ في قوله سبحانه وتعالى : { وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا } ( 1 ) ، فإن الظن السوءَ ممن لا يظهر منه أمارات السوء ممَّا حرَّمه الله ورسولُه ، فقد جَمَع هذا الظان بين اكتساب الخطيئة والإثم ورَمْي البريء بها . ويقوِّي دخوله في هذا الوعيد إذا ظهرت منه - أعني هذا الظانَّ - أماراتُ السوء ، مثلُ : كثرة البغي والعُدوان ، وقلَّة الوَرَع وإطلاق اللسان ، وكثرة الغيبة والبُهتان ، والحَسَد للناس عَلَى ما آتاهم الله من فضله والامتنان ، وشدة الحرص عَلَى المُزاحمة عَلَى الرياسات قبل الأوان .
--> ( * ) ما بين المعقوفين ليس في الأصول . ( 1 ) النساء : 112 .