عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

785

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

الجهة الأولى : أن الحصر هاهنا من الطرفين ، حصر الأول في الثاني ، وحصر الثاني في الأول ، كما تقدم بيانه ، فحصر الخشية في العُلَمَاء يفيد أن كل ما خشي الله فهو عالم ، وإن لم يفد بمجرده أن كل عالم فهو يخشى الله ، ويفيد أن من لا يخشى فليس بعالم ، وحصرُ العُلَمَاء في أهل الخشية يفيد أن كل عالمٍ خاشٍ ، فاجتمع من مجموع الحصرين ثبوت الخشية لكل فرد من أفراد العُلَمَاء . والجهة الثانية : أن المحصور هل هو مقتضي للمحصور فيه ، أو هو شرط له ؟ قال الشيخ أبو العباس - رحمه الله - : وفي هذه الآية وأمثالها هو مقتضى ، فهو عام فإن العِلْم بما أنذرت به الرسل يوجب الخوف . ومراده بالمقتضى العلة المقتضية ، وهي التي يتوقف تأثيرها عَلَى وجود شروط وانتفاء موانع ، كأسباب الوعد والوعيد ونحوهما ، فإنها مقتضيات وهي عامة . ومراده بالشرط ما يتوقف تأثير السبب عليه ، بعد وجود السبب ، وهو الَّذِي من عدمه عدم المشروط ، ولا يلزم من وجوده وجود المشروط كالإسلام بالنسبة إِلَى الحج . والمانع بخلاف الشرط : وهو ما يلزم من وجوده العدم ، ولا يلزم من عدمه الوجود . وهذا الفرق بين السبب والشرط ، وعدم المانع ، إِنَّمَا يتم عَلَى قول من يُجَوِّزُ تخصيص العلة ، وأما من لا يسمي علة إلا ما استلزم الحكم ولزم من وجوده وجوده عَلَى كل حال ، فهؤلاء عندهم الشرط وعدم المانع من جملة أجزاء العلة . والمقصود هنا : أن العِلْم إذا كان سببًا مقتضيًا للخشية كان ثبوت الخشية تمامًا لجميع أفراد العُلَمَاء ، لا تتخلف إلا لوجود مانع ونحوه .