عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

762

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

ياقوت نفسي إذا ما تم عفوك لي . . . فلست آسى عَلَى دُرٍّ وياقوت قوله : " عجلت منيته ، قلَّت بواكيه ، قلَّ تراثه " يعني أنَّه يعجل له الموت عَلَى هذه الصفة ، وهي أن يكون من يبكي { عليه } ( * ) قليلاً ، وذلك لقلة عياله كما سبق ، وأن يكون تراثه قليلاً ، ويعني بتراثه الَّذِي يخلفه من الدُّنْيَا ، وبذلك فسَّره الإمام أحمد وغيره . وهذا الكلام يحتمل أن يكون إخبارًا عن حال هذا المؤمن ، ويحتمل أن يكون دعاء له من النبي صلى الله عليه وسلم ، فاقتضى هذا الكلام أن المؤمن إذا كان عَلَى حالةٍ حسنة من حسن عبادةٍ وخمولٍ وقناعةٍ باليسير ، فإنَّه يغبط بتعجيل موته عَلَى هذه الحالة ، خشية أن يفتن في دينه ويتغير عما عليه . ولهذا المعنى شُرع تمني الموت وطلبه ، خشية الفتنة في الدين . وفي " المسند " مرفوعًا ( 1 ) " لا يتمنين الموت إلا من وثق بعمله " . فمن كان عَلَى حالةٍ حسنةٍ في دينه فإنَّه يغبط بموته قبل تغير حاله . كان أبو الدرداء إذا مات الرجل عَلَى الحالة الصالحة قال : هنيئًا لك ، يا ليتني مكانك ، فقالت له أم الدرداء في ذلك فَقَالَ : هل تعلمين يا حمقاء ، أن الرجل يصبح مؤمنًا ويمسي منافقًا ، يسلب إيمانه وهو لا يشعر ، فأنا لهذا الميت أغبط مني لهذا بالبقاء والصلاة والصوم . وقيل : ما تحب لمن تحب ؟ قال : الموت . قِيلَ لَهُ : فإن لم يمت ؟ قال : قلة المال والولد . وكان ابن مسعود يتمنى الموت ، فقِيلَ لَهُ ، فَقَالَ : لو أني أعلم أني أبقى عَلَى ما أنا عليه لتمنيت البقاء عشرين سنة . ورأى أبو هريرة شبابًا يتعبدون فَقَالَ : ليت الموت ذهب بهؤلاء .

--> ( * ) في الأصل : " عَلَى " وما أثبته موافق للسياق . ( 1 ) ( 2 / 350 ) من حديث أبي هريرة بنحوه .