عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

635

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

ممن إذا اقتديت بهم فقد اهتديت وكيف يصح لك دعوى الانتساب إِلَى إمام ، وأنت عَلَى مخالفته مُصرّ ، ومن علومه وأعماله وطريقته تفرّ . واعلم - وفقك الله - أنك كلما اشتغلت بتلك الطريقة ، وسلكت السُّبل الموصلة إِلَى الله عَلَى الحقيقة ، واستعملت الخشية ونفسها المراقبة ، ونظرتَ في أحوال من سلف من الأئمة بإدمان النظر في أحوالهم بحُسن العاقبة ، ازددت بالله وبأمره علمًا ، وازددت لنفسك احتقارًا وهضمًا ، وكان لك من نفسك شغلٌ شاغلٌ عن أن تتفرغ لمخالفة المسلمين . ولا تكن حاكمًا عَلَى جميع فرق المؤمنين ، كأنك قد أوتيت علمًا لم يؤتوه ، أو وصلت إِلَى مقامٍ لم يصلوه . فرحم الله من أساء الظلم بنفسه علمًا وعملاً وحالاً ، وأحسن الظن بمن سلف ، وعرف من نفسه نقصًا ومن السَّلف كمالاً ، ولم يهجم عَلَى أئمة الدين ولا سيما مثل الإمام أحمد ، وخصوصًا إِن كان إِلَيْهِ من المُنتسبين . وإن أنت أبيت النصيحة وسلكت طريقة الجدال والخصام ، وارتكبت ما نُهيت عنه من التشدّق والتفيهق وشقشقة الكلام ، وصار شغلك الرد عَلَى أئمة المسلمين ، والتفتيش عن عيوب أئمة الدين : فإنك لا تزداد لنشك إلا عُجبًا ، ولا لطلب العلو في الأرض إلا حُبًّا ، ومن الحق إلا بُعدًا ، وعن الباطل إلا قربًا ، وحينئذٍ تقول : ولم لا أقول وأنا أولى من غيري بالقول والاختيار ، ومن أعلم مني ومن أفقه مني ؛ كما ورد في الحديث هذا يقوله مِن هذه الأمة مَن هو وقود النار . أعاذنا الله وإياكم من هذه الفضائح ، ووفقنا وإياكم لنتول النصائح بمنه وكرمه إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين . فإن أبيت إلا الإصرار عَلَى أنَّ العِلْم والتفقه هو نقلُ الأقوال ، وكثرة البحث عليها ، والجدال ، وأنَّ من اتسع في ذلك ونقب عن عيوب الأئمة بالنظر