عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
627
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
قيل : أولاً : هذا لا يُعلم وجودُه الآن ، وإن فُرض وقوعه الآن وسُلّم جوازُ اتباعه والانتساب إِلَيْهِ ، فإنَّه لا يجوز ذلك إلا لمن أظهر لانتساب إِلَيْهِ والفتيا بقوله والذبَّ عن مذهبه . فأمَّا من أظهر الانتساب إِلَى بعض الأئمة المشهورين ، وهو في الباطن منتسبٌ إِلَى غيرهم معتقدٌ لمذهب سواه ، فهذا لا يسوغ له ذلك البتة ، وهو من نوع النفاق والتقية ، ولا سيما من أخذ الأموال المختصة بأصحاب ذلك الإمام المشهور من الأوقاف أو غيرها . أو لبَّس عَلَى النَّاس ، فأوهمهم أنَّ ما يُفتي به من مذهب من ينتسب إِلَيْهِ في الباطن هو مذهب ذلك الإمام المشهور . فهذا غير سائغ قطعًا ، وهو تلبيس عَلَى الأمة وكذبٌ عَلَى علماء الأمة . ومن نسب إِلَى أئمة الإسلام ما لم يقولوه ، أو ما عُلم أنَّهم يَقُولُونَ خلافه فإنه كاذبٌ يستحق العقوبة عَلَى ذلك . وكذلك إِن صنَّف كتابًا عَلَى مذهب إمام معيَّن ؛ وذكر فيه ما يعتقده من قول من ينتسب إِلَيْهِ في الباطن من غير نسبته إِلَى قائله . وكذلك لو كان الكتاب المصنَّف لا يختص بمذهب معينٌ ، إلا أن مصنَّفه في الظاهر ينتسب إِلَى مذهب إمام معين وفي الباطن إِلَى غيره . فيذكر فيه أقوال من ينتب إِلَيْهِ باطنًا ، من غير بيان لمخالفتها لمذهب من ينتسب إِلَيْهِ ظاهرًا . فكلُّ هذا إيهامٌ وتدليس غير جائز ، وهو يقتضي خلط مذاهب العُلَمَاء واضطرابها . فإن ادعى مع ذلك الاجتهاد كان أدهى وأمر ، وأعظم فسادًا وأكثر عنادًا ؛ فإنَّه لا يسوغ ذلك مطلقًا إلا لمن كمُلت فيه أدواتُ الاجتهاد : من معرفة الكتاب والسنة ، وفتاوى الصحابة والتابعين ، ومعرفة الإجماع والاختلاف ، وبقية شرائط الاجتهاد المعروفة .