عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

581

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

وقول الأصحاب : يقسم ماله بين ورثته مرادهم به أنه يقسم عَلَى حكم سائر المواريث ، لم يريدوا أنه يقسم جميعه عَلَى الورثة ، ولا يخرج منه ما يخرج من رؤوس الأموال ، فإن هذا لا يقوله عاقل ، وبعضهم صرح به يقسم بين الغرماء والورثة ، منهم ابن عقيل وغيره ، وهذا واضح لا خفاء به ، ومعلوم أن عتق أمهات الأولاد يتعين إخراجه من رأس المال قبل الديون وغيرها ، ولهذا لو مات المفلس وعليه ديون ، ولم يخلف غير أم ولده لعتقت ولم يتخلص فيها الغرماء ، فكيف يتوهم متوهم أن مال المفقود يوفى منه ديونه ، ويترك أمهات أولاده يعتقن ، وعتقهن يقدم عَلَى الديون ؟ أم كيف يتوهم متوهم أن ماله يقسم بين ورثته ولا تخرج منه ديونه ولا تنفذ منه وصاياه ؟ فإن قيل : ما الفرق بين توريث المال والحكم بالعتق ؟ أما توريث المال لم يشترط له تعين حياة الوارث ولا الموروث عند أحمد بدليل أنه يورث الغرقاء والهدماء بعضهم من بعض ، ويورث المفقود من مال مورثه الَّذِي مات في مدة انتظاره في أحد الوجهين لأصحابه وقد قيل : إِنَّ في كلامه إيماء إِلَيْهِ ، فلذلك لا يعتبر له تعين وفاة الموروث . وأما العتق فلا يحكم به مع الشك في وقوعه ، كما لا يحكم بالطلاق مع الشك فيه . قيل : قسمة مال المفقود عند الإياس من قدومه مشبه بملك اللقطة بعد حول التعريف للإياس من الاطلاع عَلَى مالكها ، وكلاهما جائز لما في قسمة المال والتصرف فيه من المصلحة ، ولما في { إمساكه } ( 1 ) وحبسه من الفساد وتعرضه لاستيلاء الظلمة عليه ، وذلك هو الواقع في هذه الأزمان لا محالة ، وكلاهما يجوز من غير استئذان حاكم ، وقد نص عليه أحمد في رواية أبي داود في مال المفقود ، مع تردده في رفع أمر زوجته إِلَى الحاكم ، وكلاهما

--> ( 1 ) في " الأصل " : " إنفاقه " والمثبت أنسب للسياق .