عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
567
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
بها كما نُقِلَ ذلك عن الأوزاعي وغيره ، وأيضًا فالحكم يعمل بالخط إِن يعرفه والشاهد في حال التحمل لم يعرف ما تحمله البتة ، ولا سمعه من لفظه ، ولا قرأه من خطه ، فكيف يصح تحمله لما لم يعلمه بحال . نعم ، يجوز له أن يشهد أن هذا كتابه الَّذِي تبه وختمه ، أو يشهد عَلَى الخط إذا فتحه وعرفه ، ولعل مراد كثير ممن قال بقبول الختاب المختوم المشهود عليه وأن يقرأ عَلَى الشهود أن الشاهد يشهد أن هذا كتاب فلان ، فيفيد ذلك أنه كتابه ، ويكون العمل بالخط ، وتخريج هذا عن أحمد في كتاب القاضي ونحوه ، من نصوصه المستفيضة في العمل بالخطوط أولى من تخريج صحة الشهادة بما تضمنه الكتاب المختوم . لكن يقال : تخرج صحة الشهادة عَلَى الكتاب المختوم من صحة الرواية بالمناولة ، إِن ناوله كتابًا لا يعلم الطالب ما فيه ، وأذن له في روايته ، فإنه يجوز له أن يقول إذا قرأه : أجزت فلانًا بكذا كما تقدم ، ولكن كثيرًا من العُلَمَاء يجعل باب الرواية أسهل من باب الشهادة ، ويرى التوسع في الرواية بما لا يتسع بمثله في الشهادة ، ولأجل هذا فرق أهل القول الثالث في أصل المسألة بين بابي الرواية والشهادة ، فجوزوا الرواية بالعرض والمناولة ، دون الحكم بالكتاب المختوم والشهادة به ، وهذا قول الشافعي وغيره ، وهو المشهور عند المتأخرين من أصحاب أحمد . وفرقوا بينهما بأن الرواية مبناها عَلَى المسامحة ، فإنه لا يشترط لها العدالة في الباطن ، ويقبل فيها قول النساء والعبيد ، وحديث العنعنة ونحو ذلك بخلاف الشهادة في كلام أحمد إيماء إِلَى فرق آخر وهو أن الشهادة قد يخفى تغيرها وزيادتها ونقصها ، بخلاف الحديث ، فإنه قد ضبط وحفظ ، فلا يكاد يخفى تغيره ، وهذا لأنّ الطعن في رواية ما في الكتاب والشهادة ، تارة يعلل بعدم الوثوق بالكتاب لاحتمال تزويره ، والزيادة فيه والنقص منه .