عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

562

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

وكان أهل الدراية والفهم من العُلَمَاء إذا اجتمع عند الواحد منهم من ألفاظ الكتاب والسنة ومعانيهما ، وكلام الصحابة والتابعين ما يسره الله له ، جعل ذلك أصولاً وقواعد يبني عليها ويستنبط منها ، فإن الله تعالى أنزل الكتاب بالحق والميزان ، والكتاب فيه كلمات كثيرة ، هي قواعد كلية وقضايا عامة ، تشتمل أنواعًا عديدة ، وجزئيات كثيرة ، ولا يهتدي كل أحد إِلَى دخولها تحت تلك الكلمات ؛ بل ذلك من الفهم الَّذِي يؤتيه الله من يشاء في كتابه . وأما الميزان فهو الاعتبار الصحيح ، وهو من العدل والقسط الَّذِي أمر الله بالقيام به ، كالجمع بين المتماثلين لاشتراكهما في الأوصاف الموجبة للجمع والتفريق بين المختلفين ؛ لاختلافهما في الأوصاف الموجبة للفرق ، وكثيرًا ما يخفى وجه الاجتماع والافتراق ويدق فهمه . وأما أهل الرواية إذا اجتمع عندهم من ألفاظ الرسول ، وكلام الصحابة والتابعين وغيرهم في التفسير والفقه وأنواع العلوم ، لم يتصرفوا في ذلك ؛ بل نقلوه كما سمعوه ، وأدوه كما حفظوه ، وربما كان لكثير منهم من التصرف والتميز في صحة الحديث وضعفه من جهة إسناده ، وروايته ما ليس لغيرهم . فصل : وكان العِلْم والدين يتلقاه التابع عن المتبوع سماعًا وتعلمًا ، وتأدبًا واقتداء . وكان الحديث يحفظ في القلوب حفظًا ، فكان الشيخ يحدث أصحابه من حفظه ، وربما حدث من حِفْظِه وكتابه ، وأصحابه يسمعون ذلك ويحفظونه عنه وربما كتبوه ، ولم تكن الكتب قد صنفت في زمن الصحابة والتابعين ، وإنما صنفت بعد ذلك في زمان أتباع التابعين ، فصنف ابن جريج في التفسير والحديث والفقه . وصنف سعيد بن أبي عروبة ، وحماد بن سلمة ، وصنف مالك ، وابن المبارك ، ووكيع ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وهشيم ، وابن أبي شيبة ، وعبد الرزاق ، وابن وهب ، وغيرهم .