عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

548

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

متكافئة متماثلة ، فالذهب يكافئ الذهب ، والإنسان يكافئ الإنسان ويزاوجه ، ولهذا قال تعالى : { وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } ( 1 ) ، فما من مخلوق إلا وله كفء هو زوجه ونظيره ، وعدله ومثيله ، فلو كان الحق من جنس شيء من هذه الأجناس لكان له كفء وعدل ، وقد علم انتفاؤه بالشرع والعقل . فهذه السورة هي نسب الرحمن وصفته ، وهي التي أنزلها الله في نفي ما أضاف إِلَيْهِ المبطلون من تمثيل وتجسيم ، وإثبات أصل وفرع ، فدخل فيها ما يقوله من يقوله من المشركين والصائبة ، وأهل الكتاب ومن دخل فيهم من منافقي هذه الأمة ، من تولد الملائكة أو العقول أو النفوس أو بعض الأنبياء أو غير الأنبياء . ودخل فيها ما يقول من يقوله من المشركين وأهل الكتاب من تولده عن غيره ، كالذين قالوا في المسيح أنه الله ، والذين يَقُولُونَ في الدجال أنه الله ، والذين يَقُولُونَ ذلك في علي وغيره . ودخل فيها ما يقوله من يقول من المشركين وأهل الكتاب من إثبات كفء له في شيء من الأشياء ، مثل من يجعل له بتشبيهه أو بتجسيمه كفوًا له ، أو يجعل له بعبادة غيره كفوًا ، أو يجعل له بإضافة بعض خلقه إِلَى غيره كفوًا ، فلا كفء له في شيء من صفاته ، ولا في ربوبيته ولا في إلهيته . فتضمنت هذه السورة تنزيهه وتقديسه عن الأصول والفروع ، والنظراء والأمثال . وليس في المخلوقات شيء إلا ولا بد أن ينسب إِلَى بعض هذه الأعيان والمعاني ، فالحيوان من الآدمي وغيره لا بد أن يكون له إما والد وإما مولود ، وإما نظير هو كفؤه ، وكذلك الجن والملائكة ، كما قال تعالى : { وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ( 1 ) .

--> ( 1 ) الذاريات : 49 .