عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
523
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
وسبب هذا أن العباد مُقصرون عن القيام بحقوق الله كما ينبغي , وأدائها عَلَى الوجه اللائق بجلاله وعظمته ، وإنما يؤدونها عَلَى قدر ما يطيقونه ، فالعارف يعرف أن قدر الحق أعلى وأجلُّ من ذلك فهو يستحي من عمله ويستغفر من تقصيره فيه كما يستغفر غيره من ذنوبه وغفلاته ، وكلما كان الشخصُ بالله أعرف كان له أخوف ، وبرؤية تقصيره أبصر . ولهذا كان خاتم المرسلين وأعرفُهم برب العالمين - صلى الله عليه وسلم - يجتهد في الثناء عَلَى ربه ، ثُمَّ يقول في آخر ثنائه : " لا أحصي ثناء عليك أنت ، كما أثينت عَلَى نفسك " ( 1 ) . ومن هذا قول مالك بن دينار : لقد هممتُ أن أوصي إذا متُّ أن أقيد ، ثُمَّ يُنطلقُ بي كما ينطلق بالعبد الآبق إِلَى سيده ، فَإِذَا سألني قلت : يا رب ، لم أرض لك نفسي طرفةَ عين . وكان كهمس يصلي كل يوم ألف ركعة ، فَإِذَا صلى أخذ بلحيته ، ثُمّ يقول لنفسه : قومي يا مأوى كل سوء ، فوالله ما رضيتُك لله طرفة عين . فائدة : الاستغفارُ يردُ مجردًا ، ويردُ مقرونًا بالتوبة ، فإن ورد مجردًا دخل فيه طلب وقاية شر الذنب الماضي بالدعاء ، والندم عليه ، وقاية الذنب المتوقع بالعزم عَلَى الإقلاع عنه . وهذا الاستغفار الَّذِي يمنعُ الإصرار بقوله : « مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَلَوْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةٍ » ( 2 ) . وبقوله : " لا صغيرةَ مع الإصرارِ ، ولا كبيرةَ مع الاستغفار " ( 3 ) خرَّجهما ابن أبي الدُّنْيَا .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ( 879 ) ، والنسائي ( 169 ) ، وابن ماجة ( 3841 ) ، وأحمد ( 6 / 21 ) . ( 2 ) أخرجه أبو داود ( 1514 ) ، والترمذي ( 3559 ) . ( 3 ) أخرجه القضاعي في " مسند الشهاب " ( 853 ) .