الخطابي البستي

مقدمة التحقيق 38

شأن الدعاء

وربما كان لأحداث العصر وغوائله السبب المباشر إلى هذا الميل عند الخطابي - رحمه الله - . يقول في كتاب العزلة ص 8 : والعزلة عند الفتنة سنة الأنبياء ، وعصمة الأولياء ، وسيرة الحكماء والأولياء ، فلا أعلم لمن عابها عذراً ، لا سيما في هذا الزمان ، القليل خيره ، البكيء دره ، وبالله نستعيذ من شره وريبه . وليس مفهوم العزلة عند الخطابي الهروب من الحياة كما يظنه بعض الناس ، ولا الهجران والقطيعة ، بل العزلة عنده لون من ألوان العبادة - إن صح هذا التعبير - الذي يجتنب فيه المرء الانغماس في الفتن ، أو الخوض فيها ، والاحتراق في سعيرها . فلا غرابة إذن عندما نسمع الخطابي يشكو في نثره أو في شعره من أهل زمانه . يروي ياقوت في سند له عن أبي سعد الخليل بن محمد الخطيب قال : كنت مع الخطابي فرأى طائراً على شجرة ، فوقف ساعة يستمع ثم أنشأ يقول : يا ليتني كنتُ ذاك الطائرَ الغرِدا . . . من البَريَّةِ مُنْحازَاً وَمُنْفَرِدَا في غُصْنِ بانٍ دهته الريحُ تَخْفِضُهُ . . . طوراً وتَرفعُهُ أفْنانُهُ صُعُدَا خِلْوَ الهُموم سِوَى حَبٍّ تلمّسُهُ . . . في التُّرب أو نُفْيَةٍ يَروي بِهَا كَبدَا ما إنْ يُؤَرِّقُهُ فكرٌ لرزق غدٍ . . . ولا عَليه حِسابٌ في المعَاد غدا طُوَباكَ مِنْ طائرٍ طوباك ويحكَ طبْ . . . من كانَ مِثلُكَ في الدّنيا فقد سَعِدا إن هذه الأبيات تلقي ضوءاً على ما كان الخطابي - رحمه الله - يعانيه من الضيق بعصره ، وهي ذات شفافية ، تنمُّ عن حسٍّ مرهف وروح زاهدة بمتع الحياة ، ونعيمها ، وزخارفها .