عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
95
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
والخوفَ من زَوَالِها كانَ ذلكَ حظَّهُ من اللَّه وانقطَعَ به عنهُ ، فهو كما قالَ بعضُهم : ويلٌ لِمَن كانَ حَظُّهُ مِن اللَّه الدُّنْيَا . وكان السَّرِيُّ السَّقَطَيُّ يعجب مما يَرى من علمِ الجنُيدِ وحُسنِ خطابِهِ وسُرعةِ جَوابهِ فقالَ لَه يَومًا - وقَد سأَلهُ عن مَسألةٍ فَأجابَ وأَصابَ - : أَخشَى أن يكونَ حظَّكَ من الدُّنْيَا لسانك . فكانَ الجُنيدُ لَا يزالُ يَبكِي من هذهِ الكلمةِ . ومَن اشتغلَ بتَربيةِ منزلتِهِ عندَ اللَّه بما ذكرنا من العلمِ الباطنِ وَصلَ إِلَى اللَّه ، فاشتغلَ بهِ عما سواهُ ، وكانَ لهُ في ذلكِ شُغُلٌ عن طلبِ المنزلةِ عندَ الخلقِ ، ومع هذا ، فإن الله يُعطيهِ المنزلةَ في قُلوبِ الخلقِ والشَّرفَِ عندَهم ، وإن كان لا يريدُ ذلك ولا يَقفُ معهُ ؛ بل يَهرَبُ منهُ أَشدَّ الهربِ ويفِرُّ أَشدَّ الفِرَارِ ؛ خشيةَ أن يقطعَهُ الخلقُ عن الحقِّ جلَّ جَلالُهُ . قال الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا } ( 1 ) . أي : في قلوبِ عِبادِهِ . وفي حديث : " إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى : يَا جِبْرِيلَ ، إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا . فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ، ثُمَّ يُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ " . والحديثُ مَعروفٌ ، وهُو مُخرّج في " الصحيح " ( 2 ) . وبكُلِّ حالٍ ؛ فطلبُ شرف الآخرةِ يَحصلُ معه شرف الدُّنْيَا ، وإن يُردْهُ صاحبُهُ ولم يطلُبهُ ، وطلبُ شرف الدُّنيا يمنع شَرفَ الآخرةِ ولا يَجتمعُ معهُ ، والسعيدُ من آثَرَ الباقي عَلَى الفاني ، كما في حديثِ أبي موسى ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : « مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى » .
--> ( 1 ) مريم : 96 . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 3209 ) .