عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

93

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

ومِن هذا قولُ بعضهِم : عَلَى قَدرِ هيبتكَ للَّه يخافُك الخلقُ ، وعلى قدرِ محبَّتَكَ للَّه يُحبُّكَ الخلقُ ، وعلَى قدرِ اشتغالِكَ بالفَه تَشتغلُ الخلقُ بأَشغالِكَ . وكان عمرُ بن الخطابِ - رضي اللَّه عنه - يَومًا يمشي ووَراءَهُ قومٌ من كبارِ المهاجرين ، فالتفتَ فرَآهم فخَروا عَلَى رُكبهم هيبة لهُ ، فبكى عمرُ وقال : اللَّهمَّ إِنك تعلمُ أني أخوفُ لك منهُم ؛ فاغفر لي . وكان العُمَريُّ الزاهد قد خرجَ إِلَى الكوفةِ إِلَى الرشيدِ ليعظَهُ وينهاه ؛ فوقعَ الرعبُ في عسكرِ الرشيدِ لما سَمِعوا بنزوله ، حتى لو نَزلَ بهم عَدوّ مِائةُ أَلفِ نفسٍ لما زَادُوا عَلَى ذَلك . وكان الحسنُ لَا يستطيعُ أحدٌ أن يسألَهُ هيبةً له ، وكان خواصُّ أصحابهِ يجتمعونَ ويطلبُ بعضُهم مِن بَعضٍ أن يسألوه عن المسألةِ ، فَإِذَا حَضروا مَجلسَهُ لم يَجسرُوا عَلَى سؤالهِ ، حتى رُبما مكثُوا عَلَى ذلك سَنةً كاملةً هَيبةً له . وكَذلك كانَ مالكُ بنُ أَنسٍ يُهابُ أَن يُسأَلَ ، حتى قالَ فيهِ القائلُ شعرًا : يَدَعُ الْجَوَابَ وَلَا يُرَاجَعُ هَيبَةً . . . والسَّائِلُونَ نَوَاكِسُ الْأَذْقَانِ نُورُ الْوَقَارِ وَعِزُّ سُلْطَانِ التُّقَى . . . فَهُوَ الْمَهِيبُ وَلَيسَ ذا سُلْطَانِ وكان يزيد العُقيليُّ يقول : من أرادَ بعلمه وجهَ الله تعالى أقبلَ اللَّه عليهِ بوَجههِ وأقبلَ بقلوبِ العبادِ عليه ، ومن عملَ لغيرِ اللَّه صرفَ اللَّه وجهَهُ عنهُ وصرفَ قلوبَ العبادِ عنه . وقال محمدُ بنُ واسعٍ : إِذَا أقبلَ العبدُ بقلبهِ عَلَى الله أَقبلَ اللَّه عليهِ بقلوبِ المُؤمنينَ .