عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
78
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
بذلك ، فإِن المحبَّ ربما يتلذذُ بما يُصيبهُ من الأذى في رضى مَحبوبهِ ، كما كانَ عبدُ الملكِ بنُ عمرَ بنِ عبدِ العزيز - رضي اللَّه عنهما - يقولُ لأبيهِ في خلافتهِ إذا حرصَ عَلَى تنفيذِ الحقّ وإقامةِ العدلِ : يا أَبَتِ ، لوَدِدْتُ أَني غَلتْ بي وبكَ القُدورُ في الله عزَّ وَجَلّ . وقال بعضُ الصّالحينَ : ودَدتُ أنَّ جسمي قُرِضَ بالمقاريضِ وأَنَّ هذا الخلقَ كُلّهم أطاعُوا اللَّه عزَّ وَجَلّ . فعُرضَ قولُه عَلَى بعض العارفينَ ، فَقَالَ : إِن كانَ أرادَ بذلك النصيحةَ للخلق وإِلَّا فلا أدري . ثم غُشِيَ عليهِ . ومعنى هذا : أنَّ صاحبَ هذا القولِ قد يكونُ لحظ نُصحِ الخلقِ والشفقةِ عليهمِ من عذابِ اللَّه ( وأحبَّ ) ( * ) أن يفدِيَهم من عذابِ اللَّه بأَذى نفسهِ ، وقد يكونُ لحظ جَلالِ اللَّه وعظمتِهِ وما يستحقُّهُ من الإجلالِ والإكرامِ والطَّاعةِ والمحبةِ ، فَوَدَّ أَنَّ الخلقَ قاموا بذلك ، وإن حَصَلَ له في نفسهِ غايةُ الضررِ ، وهذا هو مَشهدُ خواصِّ المُحبين العارفينَ بِمُلاحظتهِ فغُشِيَ عَلَى هذا الرجلِ العارفِ . وقد وصف اللَّه - تعالى - في كتابه أن المحبين له يجاهدون في سبيله ولا يخافون لومة لائم . وفى ذلك يقولُ بعضُهم : أَجِدُ الْمَلَامَةَ فِي هَوَاكَ لَذِيذَةً . . . حُبًّا لِذِكرِكَ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ القسم الثاني : طلبُ الشَّرفِ والعُلوِّ عَلَى الناس بالأُمور الدينيةِ ، كالعلمِ والعملِ والزُّهدِ . فهذا أفحشُ من الأولِ وأقبحُ وأشدُّ فسادًا وخطرًا ، فإنَّ العلمَ والعملَ والزهدَ إنَّمَا يُطلبُ بها ما عند الله من الدرجات العُلَى والنعيمِ المقيمِ ويطلب بها ما عند الله والقربِ منهُ والزُّلفى لَديهِ ( * * ) .
--> ( * ) فأحب : " نسخة " . ( * ) لقربه : " نسخة " .