عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
64
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
وفي حديث ابن عبَّاسٍ : " حُبِّ المَالِ وَالشَّرَفِ " بدل " الحرص " . فهذا مثلٌ عظيم جدًّا ضربه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لفسادِ دينِ المسلم بالحرص عَلَى المالِ والشَّرفِ في الدُّنْيَا ، وأن فسادَ الدِّين بذلك ليسَ بدونِ فسادِ الغنم بذئبين جائعين ضاريين يأتيا في الغنمِ ، وقد غابَ عنها رعاؤها ليلاً ، فهما يأكلانِ في الغنمِ ويفترسانِ فيها . ومعلومٌ أنّه لا ينجو من الغنم من إفساد الذئبين المذكورين والحالة هذه إلا قليلٌ ، فأخبرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ حرصَ المرءِ عَلَى المالِ والشَّرَفِ : إفساده لدينه ليس بأقلّ من إفسادِ الذئبين لهذه الغنمِ ؛ بل إمَّا أن يكونَ مساويًا وإما أكثر ، يشيرُ إِلَى أنّه لا يسلمُ من دينِ المسلم مع حرصِهِ عَلَى المالِ والشَّرفِ في الدُّنْيَا إلا القليل ، كما أنّه لا يسلمُ من الغنم مع إفساد الذئبين المذكورين فيها إلا القليل . فهذا المثلُ العظيمُ يتضمن غاية التَّحذيرِ من شرِّ الحرصِ عَلَى المالِ والشَّرفِ في الدُّنْيَا . فأمَّا الحرصُ عَلَى المالِ فهو عَلَى نوعين : أحدهما : شدةُ محبةِ المال مع شدةِ طلبهِ من وجوهه المباحةِ ، والمبالغة في طلبهِ والجدِّ في تحصيلهِ واكتسابهِ من وجوهه مع الجهدِ والمشقةِ . وقد وردَ أنَّ سببَ الحديث كان وقوع بعض أفرادِ هذا النوع ، كما أخرجه الطبرانيُّ من حديثِ عاصم بن عديٍّ ، قال : ( اشتريتُ ) ( * ) مائةَ سهم من سهامِ خيبر ، فبلغ ذلك النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : " مَا ذِئْبَانِ ضَارِبَانِ فِي غَنَمٍ غَابَ أضاعَهَا ربُّها بأفسدَ من طَلبِ المسلمِ والمالِ والشَّرَفِ لدينِه " . ولو لم يكنْ في الحرص عَلَى المال إلاَّ تضييعُ العمرِ الشَّريفِ الَّذِي لا قيمةَ له ، وقد كان يمكنُ صاحبه اكتساب الدرجات العلى والنَّعيم المقيم ، فضيَّعَه الحريص في طلب رزقٍ مضمونٍ ، مقسومٍ لا يأتي منه إلا ما قُدِّرَ وَقُسِّمَ ، ثم
--> ( * ) شريت : " نسخة " .