عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

58

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

أَبْوَابِهِمْ ، فَزَهِدُوا فِيكُمْ ، أَمَّا إِنَّكُمْ لَوْ جَلَسْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ حَتَّى يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يُرْسِلُونَ إِلَيْكُمْ ؛ لَكَانَ أَعْظَمَ لَكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ، تَفَرَّقُوا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَ أَضْلاَعِكُمْ . وفي رواية : تَفَرَّقُوا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَ أَرْوَاحِكُمْ وَأَجْسَامكُمْ ، فَرْطَحْتُمْ نِعَالكُمْ ، وَشَمَّرْتُمْ ثِيَابَكُمْ ، وَجَزَزْتُمْ شُعُورَكُمْ ، وَلَكِنَّكُمْ رَغِبْتُمْ فِيمَا عِنْدَهُمْ فَزَهِدُوا فِيكُمْ ، فَضَحْتُمْ القُرَّاءَ فَضَحَكُمُ اللهُ ، أَما وَاللهِ لَوْ زَهِدْتُّمْ فِيمَا عِنْدَهُمْ لَرَغِبُوا فِيمَا عِنْدَكُمْ ، وَلَكِنَّكُمْ رَغِبْتُمْ فِيمَا عِنْدَهُمْ فَزَهِدُوا فِيكُمْ وَفِيمَا عِنْدَكُمْ أَبْعَدَ اللهُ مَنْ أَبْعَدَ . وفي الجملة فمن لا يصون نفسه لا ينتفع بعلمه ولا ينتفع غيره به . قال الشافعي : مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ عَظُمَتْ قِيمَتُهُ ، وَمَنْ كَتَبَ الحَدِيثَ قَوِيَتْ حُجَّتُهُ ، وَمَنْ تَفَقَّهَ نَبُلَ قَدْرُهُ ، وَمَنْ تَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ رَقَّ طَبْعُهُ ، وَمَنْ تَعَلَّمَ الحِسَابَ جَزُلَ رَأْيُهُ ، وَمَنْ لَمْ يَصُنْ نَفْسَهُ لَمْ يَنْفَعُهُ عِلْمُهُ . وفي هذا المعنى يقول أبو الحسن عبد العزيز الجرجاني رحمه الله : يَقُولُونَ لِي فِيكَ انْقِبَاضٌ وَإِنَّمَا . . . رَأَوْا رَجُلاً عَنْ مَوْقِفِ الذُّلّ أَحْجَمَا أَرَى النَّاسَ مَنْ دَانَاهُمُ هَانَ عِنْدَهُمْ . . . وَمَنْ أَكْرَمَتْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ أُكْرِمَا وَلَمْ أَقْضِ حَقَّ العِلْمِ إِنْ كَانَ كُلَّمَا . . . بَدَا طَمَعٌ صَيَّرْتُهُ لِي سُلَّمَا إِذَا قِيلَ هَذَا مَنْهَلٌ قُلْتُ قَدْ أَرَى . . . وَلَكِنَّ نَفْسَ الحُرِّ تَحْتَمِلُ الظّمَا ولَمْ أَبْتَذِلْ فِي خِدْمَةِ العِلْمِ مُهْجَتِي . . . لأَِخْدِمَ مَنْ لاَقَيْتُ لَكِنْ لأُِخْدَمَا