عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

54

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

وكان الناس إذا دخلوا عليه خرجوا من عنده ، ولا يعدون الدُّنْيَا شيئًا ، وما رأوا أشد احتقارًا لأهل الدُّنْيَا منه . وكانوا يدخلون عليه في مرضه يعودونه وليس في بيته إلا سرير مرمول ( 1 ) هو عليه ، وليس في بيته قليل ولا كثير ، حتى قال ابن عون : " إِنَّمَا اسْتَبَدَّ الحَسَنُ النَّاس بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا ، فَأَمَّا العِلْمُ فَقَدْ شُورِكَ فِيهِ " . وكان الحسن يقول : " إِنَّمَا الْفَقِيهُ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا ، الرَّاغِبُ فِي الْآخِرَةِ ، المُجْتَهِدُ فِي العِبَادَةِ ، القَائِمُ بِسُنَّةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، من رأى مُحَمَّدًا فقد رآه غاديًا ورائحًا لم يضع لبنة ، على لبنة ولا قصبة على قصبة ؛ إِنَّمَا رفع له علم فشمر إِلَيْهِ " . وكان سفيان الثوري أشد تقشفًا في ملبسه من الحسن ، حتى كان من يراه ولا يعرفه يظنه من السؤال ، وكان مع شدة ورعه إذا وجد الحلال أكل منه طيبًا ، وإن لم يجد حلالاً استف الرمل ، وربما بقي ثلاثًا لا يطعم شيئًا مع عرض الناس عليه الأموال الكثيرة . وكان إذا شبع من الحلال يزيد في عمله ويقول : " أطعم الزنجي وكده " . وكان أزهد الناس في الدُّنْيَا في زمانه حتى كان يتعرى بمجلسه عن الدُّنْيَا ولم تكن السلاطين والملوك والأغنياء أذل منهم في مجلسه ، ولا الفقراء والمساكين أعز منهم في مجلسه . وكان الخوف قد غلب عليه ، فلما مرض مرض الموت حُمل ماؤه إلى طبيب فَقَالَ : " لَيْسَ لِهَذَا دَوَاءٌ ، هَذَا قَدْ فَتَّتَ الحُزنُ وَالخَوفُ كَبِدَهُ " . ويقال : لم يكن في زمانه من هو أخوف لله منه ، ولا من هيبة الله في صدره أعظم منه .

--> ( 1 ) قال أبو عبيد : رملت الحصير وأرملته ، فهو مرمول إذا نسجته ، " اللسان " مادة : ( رمل ) .