عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

52

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

قال عليه السلام : " مَا تَرَكْتُ بَعْدَ مُؤْنَةِ عَامِلِي وَنَفَقَةِ عِيَالِي فَهُوَ صَدَقَةٌ " ( 1 ) . " وَمَا تَرَكَ إِلاَّ دِرْعَهُ وَسِلاَحه وَبَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً " ( 2 ) . فلم يخلف سوى آلته الَّذِي بعث به ، والأرض التي كان يقتات منها هو وعياله ، ردها صدقة على المسلمين . وكل هذا إشارة إلى أن الرسل لم تبعث بجمع الدنيا وتوريثها لأهليهم ، وإنما بعثوا بالدعوة إلى الله والجهاد في سبيله والعلم النافع وتوريثه لأممهم . وفي مراسيل أبي مسلم الخولاني ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " مَا أَوْحَى اللهُ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ المَالَ وَأَكُنْ مِنَ التَّاجِرِينَ ، وَلَكِنْ أَوْحَى إِلَيّ : أَنْ سَبّحَ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ " خرجه أبو نعيم ( 3 ) . وفي الترمذي ( 4 ) وغيره عن ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " مَا لِي وَلِلدُّنْيَا ؟ ! إنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ بِظِلِّ شَجَرَةٍ ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا " . فقوله - صلى الله عليه وسلم - : " وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ " . فيه إشارة إلى أمرين : أحدهما : أن العالم الَّذِي هو وارث للرسول حقيقة ، كما أنّه ورث علمه فينبغي أن يورثه كما ورث الرسول العِلْم ، وتوريث العالم العِلْم هو أن يخلفه بعده بتعليم أو تصنيف ، ونحو ذلك مما ينتفع به بعده . وفي " الصحيح " ( 5 ) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إِذَا مَاتَ العبدُ انْقَطَعَ عَمَلُه إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ : عِلْمٍ نَافِعٍ ، أَوْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ " .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 3096 ) ، ومسلم ( 1760 ) من حديث أبي هريرة . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 2739 ) من حديث عمرو بن الحارث . ( 3 ) في " الحلية " ( 2 / 131 ) . ( 4 ) برقم ( 2377 ) . ( 5 ) أخرجه مسلم ( 1631 ) .