عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

39

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

ومما يدل على تفضيل العِلْم على العبادة : قصة آدم عليه السلام فإن الله تعالى إنما أظهر فضله على الملائكة بالعلم ، حيث علمه أسماء كل شيء واعترفت الملائكة بالعجز عن معرفة ذلك ، فلما أنبأهم آدم بالأسماء ظهر حينئذ فضله عليهم ، وقال عز وجل لهم : { أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } ( 1 ) . وذكر طائفة من السلف أَنَّ الَّذِي كتمُوهُ أنّهُمْ قالُوا فِي أنفُسهمْ : لَنْ يَخْلُقَ اللهُ خَلْقًا إِلاَّ نَحْنُ أَكرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ . ومما يدل على فضل العِلْم أن جبرئيل عليه السلام ، إنما فضل على الملائكة المشتغلين بالعبادة بالعلم الَّذِي خص به ، فإنه صاحب الوحي الَّذِي ينزل به على الأنبياء - عليهم السلام - . وكذلك خواص الرسل إنما فضلوا على غيرهم من الأنبياء - عليهم السلام - بمزيد العِلْم المقتضي لزيادة المعرفة بالله والخشية له . ولهذا وصف الله تعالى محمدًا - صلى الله عليه وسلم - في كتابه ومدحه بالعلم الَّذِي اختصه به ، وامتن به عليه في مواضع كثيرة ، وأمره أن يعلمه لأمته . فأول ما ذكره بالعلم وبتعليمه في قصة إبراهيم حين دعا ربه لأهل ، البيت الحرام أن يبعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ، ثم امتن علينا بأن بعث فينا رسولاً منا ، وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - بهذه الصفة ، فَقَالَ تعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } ( 2 ) .

--> ( 1 ) البقرة : 33 . ( 2 ) آل عمران : 164 .