عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
33
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
وإنما قال : " على سائر الكواكب " ولم يقل : على سائر النجوم ؛ لأنّ الكواكب هي التي لا تسير ولا يهتدى بها ، فهي بمنزلة العابد الذي نفعه مقصور على نفسه ، وأما النجوم فهي التي يهتدى بها كما قال تعالى : { وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } ( 1 ) . وقال : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } ( 2 ) . فكذلك مَثَّلَ العلماء من أمته بالنجوم في الحديث الذي سبق ذكره . وكذلك روي عنه أنّه قال : " أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ ؛ فَبِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ " ( 3 ) . وقد قيل : إن القمر إنما يستفيد نوره من ضوء الشمس ، كما أن العالم نوره مقتبس من نور الرسالة ، فلذلك شبه بالقمر ولم يشبه بالشمس . ولما كان الرسول سراجًا منيرًا ، يشرق نوره على الأرض ، كان العلماء ورثته وخلفاؤه مشبهين بالقمر عند تمام نوره وإضاءته . وفي " الصحيح " ( 4 ) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إِنَّ أَوَّلُ زُمْرَةٍ يدخلون الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لأَِهْلِ الأَرْضِ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلَونَهُمْ عَلَى أَضْوَأ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ " . ولا يبعد - والله أعلم - أن العلماء الربانيين من الزمرة الأولى ، كما كانوا في الدنيا بمنزلة القمر ليلة البدر لأهل الأرض ، وقد يشاركهم في ذلك المبرزون من العباد ولا سيما من انتفع الناس باستماع أخبارهم ، ورقت القلوب عند ذكرهم ، وحنت إلى اقتفاء آثارهم ، وأما الزمرة الثانية فهم عموم العباد . ولما مات الأوزاعي ، وكان إمام أهل الشام في العلم مع شدة عبادته وكثرة
--> ( 1 ) النحل : 16 . ( 2 ) الأنعام : 97 . ( 3 ) أخرجه ابن عبد البر في " جامع بيان العلم " ( 2 / 91 ) وحكم عليه الشيخ ناصر الألباني - رحمه الله - في " السلسلة الضعيفة " برقم ( 58 ) بالوضع . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 3327 ) ، ومسلم ( 2834 ) من حديث أبي هريرة .