عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
31
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
وروي عن طائفة من السلف قالوا : " تَلْعَنُهُمْ دَوَابُّ الأرْضِ ، ويقولون : مُنعنَا القَطْرَ بِخَطَايَا بَنِي آدَمَ " . فإن كتمان العلم النافع سبب لظهور الجهل والمعاصي ، وذلك يوجب محو المطر ونزول البلاء ، فيعم دواب الأرض ، فتهلك بخطايا بني آدم ، فتلعن الدواب من كان سبباً لذلك . وقد ظهر بهذا أن محبة العلماء من الدين ، كما قال علي رضي الله عنه لكميل بن زياد : وَمَحَبَّةُ العَالِمِ دِينٌ يُدَانُ بِهَا . وفي الأثر المعروف : " كُنْ عَالِمًا أَوْ متَعَلِّمًا أَوْ مُسْتَمِعًا أَوْ مُحِبًّا لَهُمْ ، وَلاَ تَكُنْ الخَامِسَ فَتَهْلَكَ " . قال بعض السلف عند هذا : سُبحَانَ اللهِ ! لَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُمْ مَخْرَجًا . يعني أنّه لا يخرج عن هذه الأربعة الممدوحة إلا الخامس الهالك ، وهو من ليس بعالم ولا متعلم ، ولا مستمع ولا محب لأهل العلم ، وهو الهالك . فإن من أبغض أهل العلم أحب هلاكهم ، ومن أحب هلاكهم فقد أحب أن يطفأ نور الله في الأرض ويظهر فيها المعاصي والفساد ، فيخشى أن لا يرفع له مع ذلك عمل ، كما قال سفيان الثوري وغيره من السلف . وكان بعض خدم الخلفاء يبغض أبا الفرج ابن الجوزي ويسعى في أذاه بجهده فرآه بعضهم في منامه وهو يذهب به إلى النار ، فسئل عن سبب ذلك فقيل له : كان يبغض ابن الجوزي . قال ابن الجوزي : " لَمَّا زَادَ تَعَصُّبُهُ وَأَذَاهُ لَجَأْتُ إِلَى اللهِ فِي كَشْفِ سَتْرِهِ ، فَقَصَمَهُ اللهُ تَعَالَى قَرِيبًا " . ولما قتل الحجاجُ سعيدَ بن جبير كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى عِلمِهِ ، فَمَنَعَهُمْ الانْتِفَاعِ بِعِلْمِهِ ، فَرَئَي فِي المَنَامِ أَنَّ الحَجَّاجَ قُتِلَ بِكُلِّ قَتِيلٍ قَتَلَهُ فِي الدُّنْيَا قِتلَةً ، وَقُتِلَ بِسعيدٍ بنِ جُبيرٍ سَبْعِينَ قِتْلَةً " .