عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

25

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

وسنذكر فيما بعد النصوص الدالة على فضل العلم على أنواع العبادات من الذكر وغيره - إن شاء الله تعالى . وكان زيد بن أسلم من جلة علماء المدينة ، وكان له مجلس في المسجد يذكر فيه التفسير والحديث والفقه وغير ذلك ، فجاء إليه رجل فقال له : إني رأيت بعض أهل السماء وهو يقول لأهل هذا المجلس : " هَؤلاَءِ فِي رَوْضَاتِ الجَنَّاتِ آمِنُونَ ثُمَّ أَرَاهُ أَنْزَلَ عَلَى أَهْلِ المَجْلِسِ حُوتًا طَرِيًّا وَوَضَعَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ، وَجَاءَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ : إِنِّي رَأَيْتُ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - خرجوا من هذا الباب والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى زَيدٍ نُجَالِسُهُ وَنَسْمَعُ مِنْ حَدِيثِهِ . فجاء النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِكَ فَأَخَذَ بِيَدِكَ ، فَلَمْ يَبْقَ زَيدٌ بَعْدَ هذِهِ الرُّؤيَا إِلاَّ قَلِيلاً حَتَّى مَاتَ رحمه الله تعالى " . ومع ما ذكرنا من تفضيل العلم على القصص ؛ فالعالم لا يستغني أحيانًا عن موعظة الناس والقصص عليهم ، وإزالة القسوة عن قلوبهم ، بالتذكير بالله وأيامه ، فإن القرآن يشتمل على ذلك كله ، والفقيه العالم حقًّا هو من فهم كتاب الله واتبع ما فيه . كما قال علي رضي الله عنه : " الفَقِيهُ حق الفقيه مَنْ لاَ يُقَنَّطِ النَّاس مِنْ رَحْمَةِ اللهِ وَلاَ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي مَعَاصي اللهِ ، وَلاَ يَدَعُ القُرْآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ " ( 1 ) . وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَتَخَوَّلُ أَصْحَابَهُ بِالْمَوْعِظَةِ أَحْيَانًا ؛ خشية السَّآمَةِ عَلَيْهِمْ " ( 2 ) . قوله - صلى الله عليه وسلم - : " وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضًى بِمَا يَصْنَعُ "

--> ( 1 ) أخرجه الخطيب في " الفقيه والمتفقه " ( 2 / 161 ) ، والآجري في " أخلاق العلماء " ( 49 ، 50 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 68 ) ، ومسلم ( 2821 ) .