عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
20
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
فقال الوزير : " وَاللهِ إِنَّكَ لَتُصَغِّرُ مَا عَظَّمَ اللهُ وَتُعَظِّمُ مَا صَغَّرَ اللهُ " ( 5 ) . وكثير ممن يدعى الباطن ويتكلم فيه ويقتصر عليه يذم العلم الظاهر ، الذي هو الشرائع والأحكام ، والحلال والحرام ويطعن في أهله ويقولون : هم محجوبون وأصحاب قشور ، وهذا يوجب القدح في الشريعة ، والأعمال الصالحة التي جاءت الرسل بالحث عليها والاعتناء بها . وربما انحل بعضهم عن التكاليف ، وادعى أنها للعامة ، وأما من وصل فلا حاجة له إليها ، وأنها حجاب له ، وهؤلاء كما قال الجنيد وغيره من العارفين وصلوا ولكن إلى سَقَرَ . وهذا من أعظم خداع الشيطان وغروره لهؤلاء ، لم يزل يتلاعب بهم حتى أخرجهم عن الإسلام . ومنهم من يظن أن هذا العلم الباطن لا يُتَلَقَى من مشكاة النبوة ، ولا من الكتاب والسنة ، وإنما يتلقى من الخواطر والإلهامات والكشوفات ، فأساءوا الظن بالشريعة الكاملة ، حيث ظنوا أنها لم تأت بهذا العلم النافع الذي يوجب صلاح القلوب وقربها من علام الغيوب ، وأوجب لهم الإعراض عما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب بالكلية ، والتكلم فيه بمجرد الآراء والخواطر ، فضلوا وأضلوا . فظهر بهذا أن أكمل العلماء وأفضلهم : العلماء بالله وبأمره الذين جمعوا بين العلمين وتلقوهما معًا من الوحيين - أعني : الكتاب والسنة - وعرضوا كلام الناس في العلمين معًا على ما جاء في الكتاب والسنة ، فما وافق قبلوه ، وما خالف ردوه . وهؤلاء خلاصة الخلق ، وهم أفضل الناس بعد الرسل ، وهم خلفاء الرسل حقًّا ، وهؤلاء كثير في الصحابة ، كالخلفاء الأربعة ، ومعاذ ، وأبي الدرداء ، وسلمان ، وابن مسعود وابن عمر ، وابن عباس وغيرهم .