عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
104
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
تبارك من أوجد الإنسان من عدم . . . وأقامه ولولا الإله لم يقم إِلَيْهِ مرجعه وهو باعثة . . . بعد الممات والأجداث والرمم قولُه - صلى الله عليه وسلم - : " اللَّهُمَّ مَا قُلْتُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ نَذَرْتُ مِنْ نَذْرٍ أَوْ حَلَفْتُ مِنْ حَلِفٍ فَمَشِيئَتُكَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، مَا شِئْتَ كَانَ وَمَا لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدِيرٌ " . ذكر الخطَّابي في كتاب " الدُّعاء " له أن قوله : " فمشيئتك " رُوي بضم التاء وفتحها ، وأن من رواه بالضم فإنَّ المعنى : الاعتذار بسابق الأقدار العائقة عن الوفاء بما أَلْزَمَ العبدُ نفسَهُ مِن النذور والأيمان . قال : وفي هذا طرفٌ من الجبر . قال : والصواب رواية من رواه بفتح التاء عَلَى إضمار فعل . كأنّه قال : فإني أقدّم مشيئتك في ذلك ، وأنوي الاستئناء فيه طرحًا للحنْث عني عند وقوع الحلف . قال : وفي ذلك حجة لمن ذهب مذهب المكيين ، في جواز الاستئناء منفصلاً عن اليمين . قلتُ : الصواب : هذا المعنى عَلَى ( كلا ) ( 1 ) الروايتين . أعني : رواية الضم ، ورواية النصب . وليس المرُاد برواية الضم الاعتذار بالقدر ، وإنَّما المعنى : فمشيئتُك بين يدي ذلك كلِّه مقدَّمة . فهو مبتدأ حُذف خبره . ويشهد لهذا المعنى ما خرجه أبو داود في " سُننه " ( 2 ) بإسناده ، عن أبي الدرداء أنه كان يقول : مَن قال حين يُصبح : اللهم ما حلفتُ من حلِفٍ أو قلتُ من قولٍ أو نذرتُ من نذرٍ فمشيئتك بين يدي ذلك كلّه ، ما شئتَ كان وما لم تشأ لم يكن ، اللهم اغفر لي وتَجَاوَزْ عنِّي ، اللهم فمن صلَّيتَ عليه فعليه صلاتي ، ومن لعنتَ فعليه لعنتي . كان في استثناءِ يومه ذلك " . فقد صَرَّحَ أبو داود بأن المراد بهذا الاستثناء بالمشيئة أنه يكون استثناء في يومه ذلك ، يعني : فيما يحلف به وينذره ويقوله في ذلك اليوم .
--> ( 1 ) برقم ( 5078 ) عن أبي ذر . ( 2 ) كذا بالأصل ، والصواب : " كلتا " .