حسن بن محمد بن حبيب النيسابوري
90
عقلاء المجانين
أبو نصر الجهني قال ابن أبي فديك كان عندنا رجل يكنى أبا نصر من جهينة ذاهب العقل . وكان يجلس مع أهل الصفة في آخر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان إذا سئل عن شيء أجاب . فأتيته ذات يوم ودفعت إليه شيئاً كان معي . فقال قد صادفت منا حاجة . فقلت يا أبا نصر ! ما الشرف ؟ قال حمل ما ناب العشيرة أدناها وأقصاها . والقبول من محسنها . والتجاوز عن مسيئها . قلت فما المروءة ؟ قال إطعام الطعام . وإفشاء السلام . وتوقي الأدناس والآثام . قلت فما السخاء ؟ قال جهد المقل . قلت فما البخل ؟ قال أُف . وحول وجهه عني . قلت لم ؟ قال لا تجيبني قلت قد أجبتك . قال ابن أبي فديك قدم علينا يوماً هارون الرشيد سنة ثلاث فأخلى له المسجد فوقف على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعلى منبره . وفي موقف جبريل عليه السلام . واعتنق أسطوانة التربة . ثم قال قفوا بي على أهل الصفة فلما أتاهم حرك أبو نصر وقيل له هذا أمير المؤمنين . فرفع رأسه إليه وقال أيها الرجل إنه ليس بين عباد الله وأُمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينك وبين رعيتك وبين الله خلق غيرك . وإن الله سائلك عنهم فأعد للمسألة جواباً . فقد قال عمر بن الخطاب لو ضاعت سخلة على شاطيء الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة . فبكى هارون . ثم قال يا أبا نصر ؟ إن رعيتي ودهري غير رعية عمر ودهره . قال دع عنك هذا . والله غير مغن عنك فانظر لنفسك فإنك وعمر لتسألان عما خولكما الله . قال ودعا هارون بمئة دينار فقال ادفعوها إلى أبي نصر . فقال أبو نصر ما أنا إلا رجل من أهل الصفة فادفعوها إلى فلان يفرقها بينهم . ويجعلني رجلاً منهم . قال ابن أبي فديك أجدبت المدينة في سنة واشتد حال أهلها وانكشف حال قوم كانوا مستورين بها . فخرجوا يدعون وإذا أبو نصر جالس . قد نكس رأسه فقلت يا أبا نصر ! أما