ابن حجر العسقلاني

59

تلخيص الحبير ( ط العلمية )

مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْهُ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ

--> = وللمشتري الخيار مع ذلك ، قياسا على بيع المصراة ؛ حيث ثبت للمشتري حق فسخ البيع بالتصرية ؛ ليدفع عن نفسه الغبن ، بل الخيار يثبت للمشتري هنا من باب أولى ؛ لأن التصرية ليست بعيب ، أعني : قلة اللبن ، بل من باب فوت كما مظنون ، وأيضا فقد روى أبو داود بسنده إلى عائشة رضي الله عنها : أن رجلا ابتاع غلاما ، فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم ، ثم وجد به عيبا ، فخاصمه إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرده عليه ، فقال الرجل : يا رسول الله ، قد استغل غلامي ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الخراج بالضمان " . وهو نص في المطلوب ، ولأن مقتضى العقد هو السلامة ، لأنها الأصل في المبيع ، والعيب طارئ عليه ، والعقد عند الإطلاق ينصرف إلى ما هو الأصل أو الشأن في المبيع ، سيما تأيد هذا الأصل بالعرف ، فالناس في بياعاتهم على أن المبيع يجب أن يكون خاليا من كل عيب ينقص القيمة ، أو يحدث خللا بأوجه النفع منه ، فالمشتري حين دخل في البيع دخل على هذا الأساس ، فلو ألزمناه البيع مع ظهور عدم تحقيق هذا الأساس لكان إلزاما له بغير ما رضي به في حقيقة الأمر . ويدل على أن الأصل في المبيع هو السلامة من العيوب ، ما روي عن العداء بن خالد بن هوذة - وهو صحابي أسلم بعد حنين - قال : كتب لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، اشترى منه عبدة أو أمة ، لا داء ، ولا غائلة ولا خبثة ، بيع المسلم لمسلم " ، والداء هو العلة . والغائلة من الاغتيال ، وهو الاحتيال على العاقد من حيث لا يشعر ، ليبتز منه ماله بالباطل ، والخبثة من الخبث ضد الطيب ، وهو الحرام : كما أن الطيب هو الحلال . دل قوله عليه الصلاة والسلام : " بيع المسلم المسلم " على أن شأن بيوع المسلمين فأخلت عن العيوب المذكورة ، والمراد من قوله : لا دواء ، أي : يجهله المشتري بخلاف ما لو علمه ، فإنه من البيع الحلال . ثم الخيار بين رد المبيع واسترداد الثمن إن كان قد دفعه ، وبين إمساكه بدون أرش العيب ، وهذا عند الشافعية ، والحنفية ، والظاهرية ، والمالكية ، إلا أنه عند الآخرين إذا كان العيب يسيرا لا ينقص من الثمن ، إلا قليلا ، وكان في الدور والعقار ، فليس للمشتري في هذه الحالة إلا حق المطالبة بأرش العيب ، مع إمساك المبيع ، لأن موضوع العقد مما يراد للقنية في العادة فلا يفسخ العقد فيه من أجل هذا النقص اليسير . وعند الحنابلة مخير بين هذين ، وبين إمساكه مع أرش العيب أيضا . وهذا كله إذا لم يتعذر الرد ، فإما إن تعذر فله أخذ الأرش باتفاق ، تعويضا عما فوته عليه العيب من حقه في سلامة المبيع . وجه مذهب الجمهور : هو قياس العيب على التصرية ، فكما أنه ليس للمشتري في المصراء إلا الإمساك بالثمن ، أو الرد فكذلك ليس له في العيب إلا الخيرة بين هذين ، وأيضا البائع لم يرض بخروج المبيع عن ملكه إلا بالثمن الذي أخذه فيه ، فلو أجيز للمشتري الإمساك مع المطالبة بالأرش لنقص الثمن عما رضيه البائع . ومع ذلك ، فضرر المشتري يزول بالرد ، فلا يمكن من الإمساك مع الأرش ؛ لأن فيه إضرارا بالبائع ، وقد أمكن رفع الضرر عنه ، بدون ما إضرار بالبائع ، فلا يصار إلى الحالة الضارة مع إمكان غيرها ، فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول : " لا ضرر ولا ضرار " . ولأن بظهور العيب يتبين أن رضا المشتري بالبيع لم يكن قائما على أساس صحيح ، فيمكن من الرضا من جديد بإعطائه الخيار في البيع ، والنتيجة المنطقية لهذا أن يمسك بالثمن المتفق عليه ، أو يرد المبيع إن شاء كحاله في ابتداء البيع ، ولأن العيب فوت وصفا هو السلامة ، والأوصاف كما يقول الحنفية لا يقابلها شيء من الثمن ، لكونها لم تقصد إلا تبيانا لقصد العين ، فلا تزاحمها في تقسيط الثمن . = =