ابن حجر العسقلاني

36

تلخيص الحبير ( ط العلمية )

والتزم الإسناد من بعدهم التابعون فكان الشعبي يتنقل من راوٍ إلى راو حتى قال يحيى بن سعيد : " وهذا أول من فتش في الإسناد " . وقال أبو العالية : كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما رضينا حتى رحلنا إليهم فسمعناها من أفواههم 1 . ويقول عبد الله بن المبارك : الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء 2 . وقد أتقن التابعون الإسناد وبرزوا فيه كما برزوا في غيره فها هو أبو داود الطيالسي يقول : وجدنا الحديث عن أربعة : الزهري وقتادة وأبي إسحاق والأعمش فكان قتادة أعلمهم بالاختلاف والزهري أعلمهم بالإسناد وأبو إسحاق أعلمهم بحديث علي وابن مسعود ، وكان عند الأعمش من كل هذا 3 . ولا يطعن في التزام التابعين بالإسناد المتصل ما روي عن بعض التابعين من المراسيل ؛ لأن هناك روايات تؤكد أن هذا المرسل كان يذكر من حدثه عندما يسأل عن الإسناد . وهذا يؤكد أنهم كانوا على جانب كبير من العلم ومعرفة السند وإنما كانوا يتركونه اختصاراً ، وكان الجالسون يثقون فيهم ، وكيف لا وهم أنفسهم سند ؟ . ثانياً : - مضاعفة النشاط العلمي والتثبت من الحديث : من نعم الله على المسلمين أن الصحابة قد تفرقت في الأمصار والأقطار ، وزاد الله لهم في الأعمار ليسهموا في حفظ السنّة عقب الفتنة وظهور البدعة . وكان التابعون وأتباع التابعين على نطاق واسع من التنقل والترحال في سبيل تحمل الحديث عن الثقات ومذاكرة الأحاديث ، يقول سعيد بن المسيب : " إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد " وعن الزهري عن ابن المسيب مثله 4 . وكان أئمة الحديث في هذا العصر على جانب عظيم من الوعي والاطلاع ، فقد كانوا يحفظون الحديث الصحيح والضعيف والموضوع حتى لا يختلط عليهم الحديث وليميزوا الخبيث من الطيب . ثالثاً - تتبع الكذبة : وذلك بمحاربتهم على رؤوس الأشهاد ومنعهم من التحديث ويستعدون عليهم الحكام فكان من نتيجة ذلك أن توارى كثير من الكذابين وكفوا عن

--> 1 " مقدمة التمهيد " لابن عبد البر 15 . 2 رواه مسلم في مقدمة صحيحه : 1 / 87 . 3 " تذكرة الحفاظ " 1 / 108 . 4 " جامع بيان العلم " 1 / 94 ، المحدث الفاضل 28 : ب .