البغوي

96

شرح السنة

يَعْنِي فِي الْحَدِيثِ الأَوَّل ، إِخْبَار عَنْ سُجُود الشَّمْس تَحْتَ الْعَرْش ، فَلا يُنكر أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ محاذاتها الْعَرْش فِي مسيرها ، وَلَيْسَ فِي سجودها تَحْتَ الْعَرْش مَا يعوقها عَنِ الدأب فِي سَيرهَا ، وَالتَّصَرُّف لما سخرت لَهُ . وَأَمَّا قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ } [ الْكَهْف : 86 ] ، فَهُوَ نِهَايَة مدرك الْبَصَر إِيَّاهَا حَالَة الْغُرُوب ، ومصيرها تَحْتَ الْعَرْش للسُّجُود إِنَّمَا هُوَ بَعْد الْغُرُوب ، وَلَيْسَ معنى قَوْله : { تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ } [ الْكَهْف : 86 ] ، أَنَّهَا تسْقط فِي تِلْكَ الْعين فتغمرها ، وَإِنَّمَا هُوَ خبر عَنِ الْغَايَة الَّتِي بلغَهَا ذُو القرنين فِي مسيره حَتَّى لَمْ يجد وَرَاءَهَا مسلكا ، فَوجدَ الشَّمْس تتدلى عِنْدَ غُرُوبهَا فَوْقَ هَذِهِ الْعين ، وَكَذَلِكَ يتَرَاءَى غرُوب الشَّمْس لمن كَانَ فِي الْبَحْر ، وَهُوَ لَا يرى السَّاحِل كَأَنَّهَا تغيب فِي الْبَحْر ، وَاللَّه أعلم . وَقَوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } [ الرَّحْمَن : 5 ] ، وَقَوله عَزَّ وَجَلَّ : { وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا } [ الْأَنْعَام : 96 ] ، أَي : يجريان بِحِسَاب مَعْلُوم ، وعَلى منَازِل ومقادير لَا يجاوزانها ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ } [ يس : 39 ] ، وَقِيلَ : حسبان جمع حِسَاب ، وَقَوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ } [ الْكَهْف : 86 ] ، أَي : فِي رَأْي الْعين ، فَمن قَرَأَهَا : حامية بِلَا همز ، أَرَادَ الحارة ، وَمن قَرَأَ { حَمِئَةٍ } [ الْكَهْف : 86 ] بِلَا ألف مهموزا ، أَرَادَ عينا ذَات حمأة ، يُقَالُ : حمأت الْبِئْر إِذَا نزعت مِنْهَا الحمأة ، وأحمأتها : إِذَا ألقيت فِيهَا الحمأة .