البغوي
272
شرح السنة
ذَوَاقًا وَلا يَمْدَحُهُ ، وَلا تُغْضِبُهُ الدُّنْيَا وَمَا كَانَ لَهَا ، فَإِذَا تَعَدَّى الْحَقَّ ، لَمْ يَقُمْ بِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَصِرَ لَهُ ، لَا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ ، وَلا يَنْتَصِرُ لَهَا ، إِذَا أَشَارَ أَشَارَ بِكَفِّهِ كُلِّهَا ، وَإِذَا تَعَجَّبَ قَلَبَهَا ، وَإِذَا تَحَدَّثَ اتَّصَلَ بِهَا ، وَضَرَبَ بِرَاحَتِهِ الْيُمْنَى بَطْنَ إِبْهَامِهِ الْيُسْرَى ، وَإِذَا غَضِبَ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ ، جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ » . قَالَ الْحَسَنُ : فَكَتَمْتُهُ الْحُسَيْنَ زَمَانًا ، ثُمَّ حَدَّثْتُهُ ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَيْهِ ، فَسَأَلَنِي عَمَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ ، وَوَجَدْتُهُ قَدْ سَأَلَ أَبَاهُ عَنْ مَدْخَلِهِ ، وَعَنْ مَخْرَجِهِ وَشَكْلِهِ ، فَلَمْ يَدَعْ مِنْهُ شَيْئًا . قَالَ الْحُسَيْنُ : فَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ دُخُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : " كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى مَنْزِلِهِ جَزَّأَ دُخُولَهُ ثَلاثَةَ أَجْزَاءٍ : جُزْءًا لِلَّهِ ، وَجُزْءًا لأَهْلِهِ ، وَجُزْءًا لِنَفْسِهِ ، ثُمَّ جُزْأً جَزَّأَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ ، فَيَرُدُّ ذَلِكَ بِالْخَاصَّةِ عَلَى الْعَامَّةِ ، وَلا يَدَّخِرُ عَنْهُمْ شَيْئًا . وَكَانَ مِنْ سِيرَتِهِ فِي جُزْءِ الأُمَّةِ إِيثَارُ أَهْلِ الْفَضْلِ بِأَدَبِهِ وَقَسْمِهِ عَلَى قَدْرِ فَضْلِهِمْ فِي الدِّينِ ، فَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَةِ ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَتَيْنِ ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَوَائِجِ ، فَيَتَشَاغَلُ بِهِمْ وَيَشْغَلُهُمْ فِيمَا أَصْلَحَهُمْ ، وَالأَمَّةُ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ عَنْهُمْ ، وَإِخْبَارِهِمْ