البغوي

263

شرح السنة

ضُحًى ، مُخُّهُنَّ قَلِيلٌ ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو مَعْبَدٍ اللَّبَنَ ، عَجِبَ ، قَالَ : مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا اللَّبَنُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ ، وَالشَّاءُ عَازِبٌ حِيَالٌ لَا حَلُوبَ فِي الْبَيْتِ ؟ قَالَتْ : لَا وَاللَّهِ ، إِنَّهُ مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ مِنْ حَالِهِ كَذَا وَكَذَا . قَالَ : صِفِيهِ لِي يَا أُمَّ مَعْبَدٍ ، قَالَتْ : رَأَيْتُ رَجُلا ظَاهِرَ الْوَضَاءَةِ ، أَبْلَجَ الْوَجْهِ ، لَمْ تَعِبْهُ نُحْلَةٌ ، وَلَمْ تُزْرِ بِهِ صُقْلَةٌ ، وَسِيمٌ قَسِيمٌ ، فِي عَيْنِهِ دَعَجٌ ، وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ ، وَفِي صَوْتِهِ صَهَلٌ ، وَفِي عُنُقِهِ سَطَعٌ ، وَفِي لِحْيَتِهِ كَثَاثَةٌ ، أَزَجُّ أَقْرَنُ ، إِنْ صَمَتَ فَعَلَيْهِ الْوَقَارُ ، وَإِنْ تَكَلَّمَ سَمَا وَعَلاهُ الْبَهَاءُ ، أَجْمَلُ النَّاسِ وَأبْهَاهُ مِنْ بَعِيدٍ ، وَأَجْلاهُ وَأَحْسَنُهُ مِنْ قَرِيبٍ ، حُلْوُ المَنْطِقِ ، فَصْلٌ لَا نَزْرٌ وَلا هَذَرٌ ، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَتَحَدَّرْنَ ، رَبْعَةٌ لَا يَأْسَ مِنْ طُولٍ ، وَلا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ ، غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ ، فَهُوَ أَنْضَرُ الثَّلاثَةِ مَنْظَرًا ، وَأَحْسَنُهُمْ قَدْرًا ، لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفُّونَ بِهِ ، إنْ قَالَ : أَنْصَتُوا لِقَوْلِهِ ، وَإِنْ أَمَرَ تَبَادَرُوا لأَمْرِهِ ، مَحْشُودٌ مَحْفُودٌ ، لَا عَابِسٌ وَلا مُفَنَّدٌ . قَالَ أَبُو مَعْبَدٍ : هُوَ وَاللَّهِ صَاحِبُ قُرَيْشٍ الَّذِي ذُكِرَ لَنَا مِنْ أَمْرِهِ مَا ذُكِرَ بِمَكَّةَ ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَصْحَبَهُ ، وَلأَفْعَلَنَّ إِنْ وَجَدْتُ إِلَى