البغوي
101
شرح السنة
وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ » . هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ ، أَخْرَجَهُ مُحَمَّد ، عَن عَبْد اللَّه بْن يُوسُفَ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم ، عَن يَحْيَى بْن يَحْيَى ، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ . قَوْله : « لَا تدابروا » ، مَعْنَاهُ : التهاجر والتصارم مَأْخُوذ مِن تَوْلِيَة الرجل دبره إِذا رَأَى أَخَاهُ ، وإعراضه عَنْهُ . وَقَالَ المورج : قَوْله : « لَا تدابروا » ، مَعْنَاهُ : آسوا ، وَلَا تستأثروا ، وَقَالَ بَعضهم : إِنَّمَا قِيلَ للمستأثر مستدبر . لِأَنَّهُ يولي عَن أَصْحَابه ، إِذا اسْتَأْثر بِشَيْء دونهم . فَأَما النَّهْي عَن الهجران أَكثر مِن ثَلَاث ، إِنَّمَا جَاءَ فِي هجران الرجل أَخَاهُ لعتب وموجدة ، أَو لنبوة تكون مِنْهُ ، فَرخص لَهُ فِي مُدَّة الثَّلَاث لقلتهَا ، وَحرم مَا وَرَاءَهَا . فَأَما هجران الْوَالِد الْوَلَد ، وَالزَّوْج الزَّوْجَة ، وَمن كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا ، فَلَا يضيق أَكثر مِن ثَلَاث ، وَقد هجر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ شهرا . هَذَا قَول الْخطابِيّ فِي كِتَابه . قلت : فَأَما هجران أهل الْعِصْيَان ، وَأهل الريب فِي الدّين ، فشرع إِلَى أَن تَزُول الرِّيبَة عَن حَالهم ، وَتظهر تَوْبَتهمْ ، قَالَ كَعْب بْن مَالك حِين تخلف عَن غَزْوَة تَبُوك : وَنهى النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن كلامنا ، وَذكر خمسين لَيْلَة . وَجعل مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل ، رَحمَه اللَّه ، الْخمسين حدا لتبين تَوْبَة العَاصِي . وَقَالَ