البغوي
23
شرح السنة
وَتَحْذِيرُ التَّهَاوُنِ بِهِ بَعْدَ إِيجَابِهِ ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ الزَّجْرَ عَنْهُ حَتَّى لَا يُفْعَلَ ، لَكَانَ فِي ذَلِكَ إِبْطَالُ حُكْمِهِ ، وَإِسْقَاطُ لُزِومِ الْوَفَاءِ بِهِ إِذْ صَارَ مَعْصِيَةً ، وَإِنَّمَا وَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَا يَجْلِبُ لَهُمْ فِي الْعَاجِلِ نَفْعًا ، وَلا يَصْرِفُ عَنْهُمْ ضَرًّا ، وَلا يَرُدُّ شَيْئًا قَضَاهُ اللَّهُ . يَقُولُ : فَلا تَنْذِرُوا عَلَى أَنَّكُمْ تُدْرِكُونَ بِالنَّذْرِ شَيْئًا لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ لَكُمْ ، أَوْ تَصْرِفُونَ عَنْ أَنْفُسِكُمْ شَيْئًا جَرَى الْقَضَاءُ بِهِ عَلَيْكُمْ ، وَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَاخْرُجُوا عَنْه بِالْوَفَاءِ ، فَإِنَّ الَّذِي نَذَرْتُمُوهُ لازِمٌ لَكُمْ . هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ وَوَجْهُهُ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْصِيةً ، وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ : « وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ » ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ وُجُوبُ اسْتِخْرَاجِهِ مِنْ مَالِهِ ، وَفِي قَوْلِهِ : « إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَرِّبُ مِنَ ابْنِ آدَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ قَدَّرَهُ لَهُ » اسْتِدْلالٌ لِمَنْ قَالَ : إِنَّ النَّذْرَ إِنَّمَا يَلْزَمُ إِذَا كَانَ مُعَلَّقًا بِشَيْءٍ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي ، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ رَقَبَةً ، وَإِنْ قَدِمَ غَائِبِي ، أَوْ سَلِمَ مَالِي ، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِكَذَا ، وَإِلَيْهِ يَذْهَبُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ حَتَّى قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ : النَّذْرُ وَعْدٌ عَلَى شَرْطٍ ، فَكُلُّ نَاذِرٍ وَاعِدٌ ، وَلَيْسَ كُلُّ وَاعِدِ نَاذِرًا . وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ النَّذْرَ يَلْزَمُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّقًا بِشَيْءٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ . وَلَوْ قَالَ : عَلَيَّ مَشْيٌ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ، وَلَمْ يَقُلْ نَذْرًا ، فَعَلَيْهِ الْمَشْيُ ، أَفْتَى بِهِ سَعِيدُ بْنُ المسيِّبِ .