البغوي
59
شرح السنة
وَالطَّعَامُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّعْمِ ، وَكُلُّ حُكْمٍ عُلِّقَ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ مِنْ مَعْنًى يَكُونُ ذَلِكَ الْمَعْنَى عِلَّةً فِيهِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } [ النُّور : 2 ] وَقَالَ : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } [ الْمَائِدَة : 38 ] وَالزَّانِي وَالسَّارِقُ ، اسْمَانِ مُشْتَقَّانِ مِنَ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ ، فَلَمَّا عَلَّقَ وُجُوبَ الْجَلْدِ وَالْقَطْعِ بِاسْمِ الزَّانِي وَالسَّارِقِ ، كَانَ الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ عِلَّةً فِي وُجُوبِهِمَا ، وَلأَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا ضَمَّ الْمِلْحَ ، الَّذِي هُوَ أَدْنَى مَا يُطْعَمُ ، إِلَى الْبُرِّ ، الَّذِي هُوَ أَعْلى الْمَطْعُومَاتِ ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا بَيْنَ النَّوْعَيْنِ مِنَ الْمَطْعُومَاتِ لاحِقٌ بِهِمَا . أَمَّا حُكْمُ الرِّبَا : هُوَ أَنَّهُ إِذَا بَاعَ مَالَ الرِّبَا بِجِنْسِهِ ، فَلا يَجُوزُ إِلا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي مِعْيَارِ الشَّرْعِ ، فَإِنْ كَانَ مَوْزُونًا مِثْلَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ، يُشْتَرَطُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْوَزْنِ ، وَالتَّفَاوُتُ فِي الْكَيْلِ لَا يَمْنَعُ الْعَقْدَ . وَإِنْ كَانَ مَكِيلا مِثْلَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَنَحْوِهِمَا ، فَتُشْتَرَطُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْكَيْلِ ، حَتَّى لَوْ بَاعَ أَحَدَ النَّقْدَيْنِ بِجِنْسِهِ كَيْلا ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الْمَوْزُونَاتِ الْمَطْعُومَةِ بِجِنْسِهِ كَيْلا ، أَوْ بَاعَ الْحِنْطَةَ بِالْحِنْطَةِ ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الْمَكِيلاتِ الْمَطْعُومَةِ بِجِنْسِهِ وَزْنًا ، لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ كَمَا لَوْ بَاعَ مُجَازَفَةً . وَكَمَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الْمُسَاوَاةُ فِي مِعْيَارِ الشَّرْعِ يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ فِي مَجْلِسِ الْبَيْعِ ، حَتَّى لَوْ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ ، يَفْسَدُ الْعَقْدُ . وَإِذَا بَاعَ مَالَ الرِّبَا بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، نَظَرَ إِنْ بَاعَ بِمَا لَا يُوَافِقُهُ فِي وَصْفِ الرِّبَا ، مِثْلُ أَنْ بَاعَ حِنْطَةً أَوْ شَعِيرًا بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ ، فَلا تُشْتَرَطُ فِيهِ الْمُسَاوَاةُ وَلا التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ بِغَيْرِ مَالِ الرِّبَا ، وَإِنْ بَاعَهُ بِمَا يُوَافِقُهُ فِي الْوَصْفِ مِثْلُ أَنْ بَاعَ الدَّرَاهِمَ بِالدَّنَانِيرِ ، أَوْ بَاعَ الْحِنْطَةَ بِالشَّعِيرِ ، أَوْ مَطْعُومًا بِمَطْعُومٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، فَيَجُوزُ مُتَفَاضِلا وَجُزَافًا ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ . قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ « إِلا سَوَاءً بِسَوَاءٍ » فِيهِ إِيجَابُ الْمُمَاثَلَةِ ، وَتَحْرِيمُ الْفَضْلِ .