البغوي
78
شرح السنة
وَفِيه دَلِيل على أَن لبن الْفَحْل يحرِّم حَتَّى تثبتُ الْحُرْمَة من جِهَة صَاحب اللَّبن ، كَمَا تثبتُ من جَانب الْمُرضعَة ، فَإِن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أثبت عمومة الرَّضاع ، وألحقها بِالنّسَبِ ، وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمن بعدهمْ . سُئل ابْن عَبَّاس عَنْ رجل لَهُ امْرَأَتَانِ ، أرضعت إِحْدَاهمَا غُلَاما ، وَالْأُخْرَى جَارِيَة ، فَهَل يتَزَوَّج الغلامُ الْجَارِيَة ؟ قَالَ : لَا ، اللِّقاح وَاحِد ، قيل : اللِّقاح اسْم مَاء الْفَحْل ، أَرَادَ أَن مَاء الْفَحْل الَّذِي حملت مِنْهُ وَاحِد ، وَاللَّبن الَّذِي أُرْضِعَتا بِهِ كَانَ أَصله مَاء الْفَحْل ، وَقيل : وَيحْتَمل أَن يكون اللقَاح بِمَعْنى الإلقاح ، يقَالَ : ألقح الفحلُ بالناقة إلقاحًا ولقاحًا ، كَمَا يقَالَ : أعطَاهُ إِعْطَاء وَعَطَاء ، وَالْأَصْل فِيهِ لِلْإِبِلِ ، ثُمَّ يُستعار فِي النِّسَاء . وَذهب بعض أهل الْعلم إِلَى أَن لبن الْفَحْل لَا يحرِّم ، وَهُوَ قَول عُرْوَة بْن الزبير ، وَعَبْد اللَّهِ بْن الزبير ، وَبَعض أَزوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يُروى أَنَّ عَائِشَة كَانَتْ تَأْذَنُ لِمَنْ أَرْضَعَتْهُ أَخَوَاتُهَا وَبَنَاتُ أَخيها ، وَلا تَأْذَنُ لِمَنْ أَرْضَعَتْهُ نِسَاءُ إِخْوَتِها وَبني أُخْتِهَا ، وَإِلَيْهِ ذهب إِسْمَاعِيل بْن عُلية ، وَدَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ ، ويُروى أَيْضا عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب ، وَأَبِي سَلمَة بْن عَبْد الرَّحْمَنِ ، وَسليمَان بْن يَسَار ، وَإِبْرَاهِيم : أَن لبن الْفَحْل لَا يُحرِّم . وَلَو نكح رجل امْرَأَة رضيعة ، فأرضعتها أمُّ الزَّوْج ، أَو جدَّتُه ، أَو ابْنَته ، أَو أُخْته ، أَو امْرَأَة أَخِيه ، بِلَبن أَخِيه يَنْفَسِخ النكاحُ بَينهمَا ، فعلى الزَّوْج للرضيعة نصفُ الْمهْر المسمَّى فِي النِّكَاح ، وتغرم الْمُرضعَة للزَّوْج نِصف مهر مثلهَا .