البغوي

43

شرح السنة

وَقَوله : « فإِن اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَليُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ » . قَالَ الإِمَامُ : هَذَا يُؤَكد مَا ذكرنَا من أَن الْمَرْأَة لَا تُباشر العقد بِحَال ، إِذْ لَو صلحت عبارتُها لعقد النِّكَاح ، لأطلق لَهَا ذَلِكَ عِنْد اخْتِلَاف الْأَوْلِيَاء ، وَلم يَجعله إِلَى السُّلْطَان ، وَأَرَادَ بِهَذِهِ المشاجرة مشاجرة العضل دون المشاجرة فِي السَّبق ، فَإِن الْوَلِيّ إِذا عضَل ، وَلم يكن فِي دَرَجَته غَيره ، كَانَ التزويجُ إِلَى السُّلْطَان ، لَا إِلَى من هُوَ أبعد من الْأَوْلِيَاء ، وَكَذَلِكَ الْوَلِيّ الْأَقْرَب إِذا غَابَ إِلَى مَسَافَة الْقصر زَوجهَا السُّلْطَان بنيابته عِنْد الشَّافِعِيّ . وَذهب أَصْحَاب الرَّأْي إِلَى أَن الْغَيْبَة المنقطعة تنقل الْولَايَة إِلَى الْأَبْعَد ، كَمَا لَوْ مَاتَ الْأَقْرَب أَو جُن ، كَانَ التَّزْوِيج إِلَى الْأَبْعَد بالِاتِّفَاقِ ، وَفرق بنيهما من حَيْثُ إِن الْمَوْت وَالْجُنُون يُخرجانه من الْولَايَة ، والغيبة لَا تخرجه عَنِ الْولَايَة ، غير أَنَّهُ تعذر الوصولُ إِلَى تَزْوِيجه ، فينوب السُّلْطَان مَنَابه ، كَمَا فِي العضل . أما إِذا كَانَت الْمَرْأَة لَهَا أولياءُ فِي دَرَجَة وَاحِدَة مثل الْإِخْوَة ، أَو بني الْإِخْوَة ، أَو الْأَعْمَام ، أَو بني الْأَعْمَام ، وَاخْتلفُوا فِيمَن يَلِي العقد عَلَيْهَا ، فَإِذا أذِنت الْمَرْأَة لوَاحِد ، فَهُوَ الْوَلِيّ ، وَإِن لم تعين وَاحِدًا وَاخْتلفُوا ، يُقرع بَينهم ، وَلَو بَادر وَاحِد مِنْهُم ، وَزوجهَا بِرِضَاهَا من كُفْء دون إِذن البَاقِينَ ، صَحَّ النِّكَاح ، وَلزِمَ ، وَإِن زَوجهَا بِرِضَاهَا من غير كُفْء ، فللباقين رده ، لما يلحقهم من الْعَار بدناءة من يدْخل عَلَيْهِم فِي نسبهم ، وَلَو زَوجهَا الْأَقْرَب من غير كُفْء بِرِضَاهَا ، فَلَا اعْتِرَاض للأبعد ، إِذْ لَيْسَ للأبعد فِي هَذِه الْحَالة عَلَيْهَا ولَايَة . وَمن أَرَادَ نِكَاح امْرَأَة وَهُوَ وليُّها لَا وليَّ لَهَا سواهُ ، مثل ابْنة عَمه ، أَو مُعتقته ، زَوجهَا السُّلْطَان مِنْهُ ، فَلَو زَوجهَا الوليُّ من نَفسه بِرِضَاهَا ،