البغوي

27

شرح السنة

يُحَجُّ عَنِ الْمَيِّتِ إِذَا أَوْصَى بِهِ ، وَإذَا أَوْصَى يُقْضَى مِنَ الثُّلُثِ ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ : لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ، وَيُرْوَى عَنِ النَّخَعِيِّ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزَّمِنَ يَلْزَمُهُ فَرْضُ الْحَجِّ . لأَنَّهَا قَالَتْ : إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا . تُرِيدُ أَسْلَمَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : إِذَا كَانَ لِلزَّمِنِ مَالٌ يَسْتَأْجِرُ بِهِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَبَذَلَ لَهُ بَعْضُ أَوْلادُهُ الطَّاعَةَ لِلْحَجِّ عَنْهُ ، لَزِمَهُ فَرْضُ الْحَجِّ ؛ لأَنَّ الْمَرْأَةَ أَخْبَرَتْ بِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى أَبِيهَا ، وَوُجُوبُهُ يَكُونُ بِأَحَدِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ إِمَّا بِالْمَالِ ، أَوْ بِقُوَّةِ الْبَدَنِ ، أَوْ بِبَذْلِ طَاعَةٍ مِنْ ذِي قُوَّةٍ ، فَعَجْزُهُ بِالْبَدَنِ كَانَ ظَاهِرًا ، وَلَمْ يَجْرِ لِلْمَالِ ذِكْرٌ ، إِنَّمَا جَرَى ذِكْرُ طَاعَتِهَا ، وبَذْلُهَا نَفْسَهَا ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ تَعَلَّقَ بِهَا ، وَحَصَلَ بِهَا الاسْتِطَاعَةُ كَمَا يُقَالُ فِي عُرْفِ اللِّسَانِ : فُلانٌ مُسْتَطِيعٌ لأَنْ يَبْنِيَ دَارَهُ إِذَا كَانَ يَجِدُ مَنْ يُطِيعُهُ فِي بِنَائِهَا ، أَوْ يَقْدِرُ عَلَى مَالٍ يُنْفَقُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى الزَّمِنِ ابْتِدَاءً ، وَعِنْدَ مَالِكٍ إِذَا زَمِنَ بَعْدَ الْوُجُوبِ يَسْقُطُ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَسْقُطُ ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى الْوُجُوبِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَجَّ الْمَرْأَةِ عَنِ الرَّجُلِ يَجُوزُ ، وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ؛ لأَنَّ الْمَرْأَةَ تَلْبَسُ فِي الإِحْرَامِ مَا لَا يَلْبَسُهُ الرَّجُلُ ، فَلا يَحُجُّ عَنْهُ إِلا رَجُلٌ مِثْلُهُ .