البغوي

20

شرح السنة

هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَوْلُهُ : « كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ » سُئِلَ أَبُو عُثْمَانَ الْحِيرِيُّ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْخَبَرِ ، فَقَالَ : كُنْتُ أَسْرَعَ إِلَى قَضَاءِ حَوَائِجِهِ مِنْ سَمْعِهِ فِي الاسْتِمَاعِ ، وَبَصَرِهِ فِي النَّظَرِ ، وَيَدِهِ فِي اللَّمْسِ ، وَرِجْلِهِ فِي الْمَشْيِ . وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ : هَذِهِ أَمْثَالٌ ضَرَبَهَا ، وَالْمَعْنَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، تَوْفِيقُهُ فِي الأَعْمَالِ الَّتِي يُبَاشِرُهَا بِهَذِهِ الأَعْضَاءِ ، يَعْنِي : يُيَسِّرُ عَلَيْهِ فِيهَا سَبِيلَ مَا يُحِبُّهُ ، وَيَعْصِمُهُ عَنْ مُوَاقَعَةِ مَا يَكْرَهُ : مِنْ إِصْغَاءٍ إِلَى اللَّغْوِ بِسَمْعِهِ ، وَنَظَرٍ إِلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ بِبَصَرِهِ ، وَبَطْشِ مَا لَا يَحِلُّ بِيَدِهِ ، وَسَعْيٍ فِي الْبَاطِلِ ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ : سُرْعَةَ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ ، وَالإِنْجَاحَ فِي الطَّلِبَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَسَاعِيَ الإِنْسَانِ إِنَّمَا تَكُونُ بِهَذِهِ الْجَوَارِحِ الأَرْبَعِ . وَقَوْلُهُ : « مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ » فَإِنَّهُ أَيْضًا مَثَلٌ ، فَإِنَّ التَّرَدُّدَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا هُوَ صِفَةُ الْمَخْلُوقِينَ غَيْرُ جَائِزٍ ، وَالْبَدَاءُ عَلَيْهِ فِي الأُمُورِ غَيْرُ سَائِغٍ ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْعَبْدَ قَدْ يُشْرِفُ فِي أَيَّامِ عُمُرِهِ عَلَى الْمَهَالِكِ مَرَّاتٍ ذَاتَ عَدَدٍ : مِنْ آفَةٍ تَنْزِلُ بِهِ ، أَوْ دَاءٍ يُصِيبُهُ ، فَيَدْعُو اللَّهَ ، فَيَشْفِيهِ مِنْهَا ، فَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ التَّرَدُّدِ ، إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ، وَهَذَا عَلَى مَعْنَى