البغوي

92

شرح السنة

وَالصِّنْفُ الرَّابِعُ : هُمُ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ ، وَهُمْ قِسْمَانِ : قِسْمٌ مُسْلِمُونَ ، وَقِسْمٌ كُفَّارٌ ، فَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ ، فَقِسْمَانِ : قِسْمٌ دَخَلُوا فِي الإِسْلامِ ، وَنِيَّتُهُمْ ضَعِيفَةٌ يُرِيدُ الإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مَالا تَأَلُّفًا ، كَمَا أَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ ، وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ ، أَوْ تَكُونُ نِيَّتُهُمْ قَوِيَّةً فِي الإِسْلامِ ، وَهُمْ شُرَفَاءٌ فِي قَوْمِهِمْ يُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ ، تَرْغِيبًا لِأَمْثَالِهِمْ فِي الإِسْلامِ ، كَمَا أَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ، وَالزّبْرَقَان بْنِ بَدْرٍ ، فَهَذَا وَاسِعٌ لِلإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ، وَلَكِنْ يُعْطِيهِمْ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ سَهْمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا أَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلا يُعْطِيهِمْ مِنَ الصَّدَقَاتِ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ مُؤَلَّفَةِ الْمُسْلِمِينَ : أَنْ يَكُونَ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِإِزَاءِ قَوْمٍ كُفَّارٍ فِي مَوْضِعٍ مُنْتَاطٍ ، لَا تَبْلُغُهُمْ جُيُوشَ الْمُسْلِمِينَ إِلا بِمَئُونَةٍ كَثِيرَةٍ ، وَهُمْ لَا يُجَاهِدُونَ إِمَّا لِضَعْفِ نِيَّتِهِمْ ، وَإِمَّا لِضَعْفِ حَالِهِمْ ، فَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنْ سَهْمِ الْغُزَاةِ ، وَقِيلَ : مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ . وَمِنْهُمْ قَوْمٌ بِإِزَاءِ جَمَاعَةٍ مِنْ مَانِعِي الزَّكَاةِ يَأْخُذُونَ مِنْهُمُ الزَّكَاةَ يَحْمِلُونَهَا إِلَى الإِمَامِ ، فَيُعْطِيهِمُ الإِمَامُ مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ مِنَ الصَّدَقَاتِ ، وَقِيلَ : مِنْ سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ ، وَقِيلَ : يَتَخَيَّرُ الإِمَامُ بَيْنَهُمَا . رُوِيَ أَنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ جَاءَ أَبَا بَكْرٍ بِثَلاثِ مِائَةٍ مِنَ الإِبِلِ مِنْ صَدَقَاتِ قَوْمِهِ ، فَأَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْهَا ثَلاثِينَ بَعِيرًا . أَمَّا الْكُفَّارُ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ : هُوَ مَنْ يُخْشَى شَرُّهُ مِنْهُمْ ، أَوْ يُرْجَى إِسْلامُهُ ، فَيُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَ هَذَا طَمَعًا فِي إِسْلامِهِ أَوْ ذَاكَ ، حَذَرًا مِنْ شَرِّهِ ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ ، لِمَا يَرَى مِنْ مَيْلِهِ