البغوي
34
شرح السنة
ثُمَّ لَهُ تَأْوِيلانِ ، أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذِهِ الْآلاتِ كَانَتْ عِنْدَهُ لِلتِّجَارَةِ ، فَطَلَبُوا مِنْهُ زَكَاةَ التِّجَارَةِ ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ جَعَلَهَا حُبُسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَلا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ ، وَجَوَازِ وَقْفِ الْمَنْقُولِ . وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي : أَنَّهُ اعْتَذَرَ لِخَالِدٍ ، يَقُولُ : إِنَّ خَالِدًا لَمَّا حَبَسَ أَدْرَاعَهُ تَبَرُّعًا ، وَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ ، فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ . وَقِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ : إِنَّهُ احْتَسَبَ لَهُ مَا حَبَسَهُ بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الصَّدَقَةِ ، لِأَنَّ أَحَدَ أَصْنَافِ الْمُسْتحقين لِلصَّدَقَةِ هُمُ الْمُجَاهِدُونَ . وَفِيهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَوَاتِ بَدَلًا عَنِ الْأَعْيَانِ ، وَعَلَى جَوَازِ وَضْعِ الصَّدَقَةِ فِي صنْفٍ وَاحِدٍ . وَقَوْلُهُ : « صِنْوُ أَبِيهِ » ، أَيْ : أَصْلُهُمَا وَاحِدٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ } [ الرَّعْد : 4 ] ، وَهِيَ جَمْعُ صِنْوٍ ، وَمَعْنَاهُ : أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ وَاحِدًا ، وَفِيهِ النَّخْلَتَانِ ، وَالثَّلاثِ ، وَالْأَرْبَعِ . وَيُحْكَى عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : الصِّنْوُ : الْمِثْلُ ، أَرَادَ مِثْلَ أَبِيهِ . وَقَوْلُهُ فِي صَدَقَةِ الْعَبَّاسِ : « فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ » ، فَإِنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَلَّ الْمُتَابِعُونَ لِشُعَيْبٍ فِيهَا ، لِأَنَّ الْعَبَّاسَ مِنْ صَلِيبَةِ بَنِي هَاشِمٍ لَا تَحِلُّ