البغوي

56

شرح السنة

هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَيُرْوَى : « إِنَّا نَرْكَبُ أَرْمَاثًا لَنَا فِي الْبَحْرِ » ، وَالأَرْمَاثُ : جَمْعُ الرَّمْثِ ، وَهِيَ خُشُبٌ يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ، وَيُشَدُّ ثُمَّ يُرْكَبُ . قَالَ الإِمَامُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ ، مِنْهَا : أَنَّ التَّوَضُّؤَ بِمَاءِ الْبَحْرِ يَجُوزُ مَعَ تَغَيُّرِ طَعْمِهِ وَلَوْنِهِ ، وَهُوَ قَوْلِ أَكْثَرِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو « كَرَاهِيَةُ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ » . وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا نَبَعَ مِنَ الأَرْضِ ، عَلَى أَيِّ لَوْنٍ وَطَعْمٍ كَانَ ، جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ ، وَكَذَلِكَ مَا تَغَيَّرَ بِطُولِ الْمَكْثِ فِي الْمَكَانِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطَّهُورَ هُوَ الْمُطَهِّرُ ، لأَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ تَطْهِيرِ مَاءِ الْبَحْرِ ، لَا عَنْ طَهَارَتِهِ ، وَلَوْلا أَنَّهُمْ عَرَفُوا مِنَ الطَّهُورِ الْمطهر ، لَكَانَ لَا يَزُولُ إِشْكَالُهُمْ بِقَوْلِهِ : « هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ » . وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّ الطَّهُورَ هُوَ الطَّاهِرُ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } [ الْفرْقَان : 48 ] حَتَّى جَوَّزُوا إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ بِالْمَائِعَاتِ الطَّاهِرَةِ ، مِثْلُ الْخَلِّ ، وَمَاءِ الْوَرْدِ ، وَالرِّيقِ ، وَنَحْوِهَا ، وَجَوَّزَ الأَصَمُّ الْوُضُوءَ بِهَا . وَعِنْدَ بَعْضِهِمُ : الطَّهُورُ : مَا يَتَكَرَّرُ مِنْهُ التَّطْهِيرُ ، كَالصَّبُورِ : اسْمٌ لِمَنْ