شمس الدين السخاوي
190
السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
--> = « وسرُّ المسألة : أن طريق الفقر والتقلل طريق سلامة مع الصبر ، وطريق الغنى والسَّعَة في الغالب طريق عطب . فإن اتَّقى الله في ماله ، ووصل به رحمه ، واخرج منه حق الله - وليس مقصوراً على الزكاة ، بل من حقه إشباع الجائع ، وكسوة العاري ، وإغاثة الملهوف ، وإعانة المحتاج والمضطر - فطريقه طريق غنيمة ، وهي فوق السلامة . ومَثَل صاحب الفقر كمثل مريض قد حُبِس بمرضه عن أغراضه ، فهو يُثاب على حسن صبره على حبسه . وأما الغني فخطره عظيم في جمعه وكسبه وصرفه . فإذا سلم كسبه وحسن أخذه من وجهه وصرفه في حقه ، كان أنفع له . فالفقير كالمتعبِّد المنقطع عن الناس ، والغني المنفق في وجوه الخير كالمعين والمعلم والمجاهد . والمقصود بهذا الفصل ، أنه ليس الفقراء الصابرون بأحق به - صلى الله عليه وسلم - من الأغنياء الشاكرين ، وأحقُّ الناس به أعلمهم بسنته ، وأتبعهم لها ، وبالله التوفيق » . قال أبو عبيدة : ونختم كلامنا على هذه المسألة بملاحظات : الأولى : كلام ابن تيمية في ( التفضيل ) هو ( التفصيل ) . نقله عنه تلميذه البار ابن القيم ، وتقدم ذلك عنه ، ونحيل الأخ القارئ على « مجموع الفتاوى » ( 11 / 21 ، 69 ، 119 - 121 ، 195 ) ، و ( 14 / 305 - 306 ) ، فانظره فإنه مفيد . الثانية : أخرج أبو نعيم في « الحلية » ( 7 / 283 ) أثراً فيه بيان الخلاف في هذه المسألة ، وهو أقدم ما وقفت عليه فيها ، مع التنويه إلى أنّ ابن تيمية قال في « مجموع الفتاوى » ( 11 / 119 ) : « وأما الصحابة والتابعون فلم يُنقل عنهم تفضيل أحد الصنفين على الآخر » . أخرج ابن المبارك في « الزهد » ( رقم 564 ) ، وعبد الله بن أحمد في « زوائد الزهد » ( ص 273 ) ، وابن الأعرابي في « الزهد » ( رقم 90 ) بسنده إلى الفضل بن ثور قال : قلت لأبي سعيد - يعني : الحسن البصري - : رجلان طلب أحدهما الدنيا بحلالها ، فوصل بها رحمه ، وقدم فيها لنفسه ، ورجل رفض الدنيا ؟ قال : أحبهما إليّ الذي رفض الدنيا . قلت : يا أبا سعيد هذا طلبها بحلالها ، فأصابها ، فوصل بها رحمه ، وقدم فيها لنفسه . قال : أحبهما إليَّ الذي جانبها . وأسند أبو نعيم في « الحلية » ( 7 / 283 ) : « عن عمر بن السكن قال : كنتُ عند سفيان بن عيينة ، فقام إليه رجل من أهل بغداد فقال : يا أبا محمد ! أخبرني عن قول مطرِّف : لأن أعافى فأشكر أحبُّ إليَّ من أن ابتلى فأصبر ، أهو أحبُّ إليك أم قول أخيه أبي العلاء : اللهم رضيتُ لنفسي ما رضيتَ لي ؟ قال : فسكت سكتة ثم قال : قول مطرِّف أحبُّ إلي . فقال الرجل : كيف وقد رضي هذا لنفسه ما =