شمس الدين السخاوي

151

السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم

عن الأحبِّ إليهم ، وزوال ما بهم ونولِهم ما اختاروه من الأموال ، ثم مجيئه إليهم بعد ذلك واحداً بعد واحد ، ٍ في هيئة فقيرٍ مسكينٍ يلتمس نائلهم ، فجحد كلٌّ من الأبرص والأقرع ما كان فيه قبل ذلك من الفاقة والعلة ، ولم يعطِه شيئاً ، وشكر الأعمى نعمةَ الله عليه فيما آتاه ، وفوّض إلى الفقير أن يأخذ ما أحبَّ ، فقال له : أمسك ، فإنما ابتليتم فقد رضي عنك ، وسَخِط على صاحبيك . وكذا رُوينا في « المجالسة » ( 1 ) من طريق هشام ، عن الحسن أنه قال : قد كان الرجل يدَع المالَ إلى جنبه ، ولو شاء أتاه فأصاب منه حلالاً ، وإنه لمجهود شديد الجهد ، فيقال له : رحِمك الله ألا تأتي هذا المال فتصيب منه ، فيقول : لا إني والله ما

--> = وأتى الأقرع في صورته وهيئته ، فقال له مثلما قال لهذا ، فرد عليه مثلما ردّ عليه هذا ، فقال : إن كنت كاذباً ؛ فصيَّرك الله إلى ما كنت . وأتى الأعمى في صورته ، فقال : رجلٌ مسكينٌ ، وابن سبيل ، وتقطّعت بي الحبال في سفري ، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك ، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاةً أتبلغ بها في سفري . فقال له : قد كنت أعمى فرد الله بصري ، وفقيراً فقد أغناني ، فخذ ما شئت ، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله . فقال : أمسك مالك ، فإنما ابتليتم ، فقد رضي الله عنك ، وسخط على صاحبيك » . وقوله : « بدا لله » بتخفيف الدال ، بغير همز ؛ أي : سبق في علمه ، فأراد إظهاره ، ومثله قوله - تعالى - : { الآن خَفَّفَ اللهُ عنْكُم وعلِمَ أن فِيكُم ضَعْفاً } [ الأنفال : 66 ] ؛ أي : عَلِمَ عِلْمَ الظهور ، وليس المراد أنه ظهر له بعد أن كان خافياً ؛ لأن ذلك محالٌ في حقِّ الله - تعالى - ، ووقع في رواية للبخاري ومسلم : « أراد الله أن يبتليهم » ، « وهذا هو المحفوظ ، وفي إسناد الأولى : ( عبد الله بن رجاء ) ، وهو الغداني ، وفي حفظه كلام . قال الحافظ في « التقريب » : « صدوق ، يهم قليلاً » ، ونسبة البداء إلى الله لا يجوز . ومال الحافظ إلى أن الرواية الأولى من تغيير الرواة ، وظني أنه من الغداني كما ألمحت إليه ، والرواية المحفوظة لم يستحضر الحافظ أنها عند المصنف ، فعزاها لمسلم وحده ! » . أفاده شيخنا الألباني - رحمه الله - في « مختصر صحيح البخاري » ( 2 / 446 ) . ( 1 ) انظر « المجالسة » للدينوري ( 7 / 20 رقم 2860 - بتحقيقي ) ، والأثر أخرجه أحمد - ومن طريقه أبو نعيم في « الحلية » ( 6 / 269 ) - عن صفوان بن هشام ، وأحمد - ومن طريقه البيهقي في « الزهد الكبير » ( 29 ) - عن روح ؛ كلاهما عن هشام ، به .