شمس الدين السخاوي

15

السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم

من تدبيره لنفسه ، فإذا دبّر لنفسه ، انحط عن رتبته إلى ما هو دونها . - ومنهم من يعد نفسه كالوكيل على مال اليتيم ( 1 ) ؛ إن استغنى استعفَّ ، وإن احتاج أكل بالمعروف ، وما عدا ذلك صرفه كما يصرف مال اليتيم في منافعه ؛ فقد يكون في الحال غنياً عنه ؛ فينفقه حيث يجب الإنفاق ، ويمسكه حيث يجب الإمساك ، وإن احتاج أخذ منه مقدار كفايته بحسب ما أذن له من غير إسراف ولا إقتار ، وهذا - أيضاً - براءة من الحظوظ في ذلك الاكتساب ؛ فإنه لو أخذ بحظه لحابى نفسه دون غيره ، وهو لم يفعل ، بل جعل نفسه كآحاد الخلق ، فكأنه قسّام في الخلق يعدُّ نفسه واحداً منهم . وفي « الصحيح » عن أبي موسى قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « إن الأشعَرِيِّين إذا أرمَلوا في الغَزوِ أو قلَّ طعامُ عيالهم بالمدينة ، جمعوا ما كان عندهم في ثوبٍ واحدٍ ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد ؛ فهم منِّي وأنا منهم » ( 2 ) .

--> = عليه بدعوى أن تدبير الله له خير من تدبيره ، ومن يفعل ذلك ؛ فليس من الفضيلة في شيء ، وليست هذه الدعوى إلا من مظاهر الكسل والإخلاد إلى الرضا مما تجود به أنعم العاملين ؛ فترجع في الحقيقة إلى معنى أن تدبير الخلق له خير من تدبير نفسه . ( 1 ) أخرج ابن شبة في « تاريخ المدينة » ( 2 / 694 - 695 ، 701 ) ، وسعيد بن منصور في « السنن » ( 4 / 1538 رقم 788 - ط . الصميعي ) ، وابن أبي شيبة في « المصنف » ( 12 / 324 رقم 12960 ) ، وابن جرير في « التفسير » ( 7 / 582 رقم 8597 ) ، وابن سعد في « الطبقات » ( 3 / 276 ) ، والنحاس في « الناسخ والمنسوخ » ( ص 112 ) ، والبيهقي في « شعب الإيمان » ( 6 / 4 - 5 ، 354 ) ، وابن الجوزي في « مناقب عمر » ( ص 105 ) من طرق عن عمر ؛ قال : « إني أنزلتُ نفسي من مال الله منزلة والي مال اليتيم ، إن استغنيتُ استعففت ، وإن افتقرتُ أكلتُ بالمعروف ، ثم قضيتُ » ، وهو صحيح بمجموع طرقه إن شاء الله تعالى . وفي رواية أنه قال ذلك لعمار وابن مسعود - رضي الله عنهم - حين ولاهما أعمال الكوفة ، وفيها : « إني وإياكم في مال الله . . . » وذكر نحوه . ( 2 ) أخرجه البخاري في « صحيحه » في كتاب الأشعريين ( باب الشركة في الطعام والنَّهد والعروض ) ( 5 / 128 رقم 2483 ) ، ومسلم في « صحيحه » في كتاب فضائل الصحابة ( باب من فضائل الأشعريين - رضي الله عنهم - ) ( 4 / 1944 - 1945 رقم 2500 ) من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - .